الآية الخامسة والسادسة: {سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ*يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:95 - 96) .
في آيتين متتاليتين، يكشف الله تعالى خبث نواياهم وسوء طويتهم في إصرارهم واستعدادهم العجيب على استمرار طعنهم وغدرهم في المسلمين، فإن تمكنوا لا تأخذهم في المسلمين إلًا ولا ذمَّة، وإن انقلب المسلمون بنصرهم، غمرهم الغيظ والكمد، واستعدوا مكرهين للأعذار والحلفان لضمان سلامتهم في الدنيا، دون اعتبار للآخرة، يقول سيد قطب: (إنهم يطلبون من المسلمين العفو والصفح عن قعودهم، ليتدرجوا إلى طلب الرضا منهم، ليضمنوا السلامة في المجتمع المسلم، وضمان تعاملهم بالإسلام، ليجنبوا أنفسهم الغلظة التي أمر الله معاملتهم بها، إن طلب رضا المسلمين بالحلف المغلظ لن يجدي شيئا أمام غضب الله عليهم، ولن تنفعهم أعذارهم إلا الرجوع عن فسقهم، وبذلك يتم تقرير العلاقات النهائية بين المسلمين والمنافقين، كما قررها سابقا مع المشركين وأهل الكتاب) [1] .
الآية السابعة: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (التوبة:107) ،
قدم المنافقون الكثير من الأعذار والمسوغات لتخلفهم عن الجهاد في الآيات السابقة، وفي هذه الآية يحلفون وبالتأكيد على أن أعمالهم حسنة وخيِّرة، إلا أن الله يفضحهم، ويكشف سر أعمالهم الخبيثة، وخاصة علاقاتهم الخفية مع أهل الكتاب، الذين ارتبطوا بهم ارتباطا وثيقا، وأنهم لو كانوا صادقين فيما فعلوا من أعمال صالحة، ما حلفوا ولا غَلَّظُوا الأيمان؟
فقد فضح الله خبيئة قلوبهم، وبين على أي أساس بنوا بنيانهم، يقول الرازي: (أي ليحلفن ما أردنا ببنائه إلا من أجل الرفق بالمسلمين في التوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز، وأصحاب الحاجة ... وأن الله أطلع الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أنهم حلفوا كاذبين) [2] .
يقول سيد قطب: (وتكشف عن نهاية كل محاولة خادعة تخفي وراءها نية خبيثة، وتطمئن العاملين المتطهرين من كل كيد يراد بهم، مهما لبس أصحابه مسوح الصالحين) [3] .
إنهم الذين لا يعلم سرهم إلا الله تعالى، (فمنذ أن تكونت هذه الفئة في المدينة، كانوا بمثابة الغدة السرطانية في جسد الأمة، حيث أعيت المسلمين بألاعيبها الماكرة، وأتعبت الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتصرفاتها المشينة التي تلتزم السرية والتكتم [4] .
(1) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1696 - 1697 باختصار.
(2) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/194.
(3) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/1711.
(4) غزوة تبوك محمد أحمد باشميل: ص/192 - 193 باختصار وتصرف. دار الفكر/ ، ط/2/ 1978 م.