الآية يبين الله تعالى عفوه وجميل كرمه للصنف الذي تخلف بعذر كالضعفاء والمرضى، ليظهر شنيع فعل الذين استئذنوا بغير عذر، فكيف بمن تخلف ولم يستأذن ولم يعتذر؟ ليتوعد الذين تخلفوا من غير عذر بالعذاب الأليم، بعد أن حكم عليهم بالكفر والنفاق.
الآية الثانية: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة:97) ،
وصف الله تعالى في هذه الآية الأعراب بأنهم أشد كفرا ونفاقا، مما يدلل على قساوة قلوبهم وجفاوة نفوسهم، كما سبق في تعريف ممن سكن البادية من الأعراب لغة، فعن ابن عباس - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غَفَلَ، ومن اتبع السلطان افتتن) [1] ، لذا فكل من يهجر حلق الذكر والعلم، يبعد عن المؤمنين، يزداد جهالة وجفوة وجحودا ويقلل من حظوظ نفسه في العلم، مما يزيد من قسوة القلب، فيجعل صاحبه أقرب إلى الكفر والنفاق، ومن قَرُبَ منهما كاد أن يدخل فيهما، وبالتالي من الأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله، خوفا من التعدي على الحدود، ولكي لا يتعدى الحدود لا بد من ازدياد الطاعات على علم، مما يتطلب مخالطة الصالحين، وأهل العلم، وطول سهر في ذلك وصحبة الأماجد، قال الإمام الشافعي [2] :
تغرب عن الأوطان في طلب العلى***وسافر ففي الأسفار خمس فوائد.
تفرُّجُ همٍّ، واكتساب معيشة ***وعلمُ، وآدابٌ، وصحبة ماجدِ [3] .
فالله عليم بأحوالهم، حكيم في إمهالهم، يعلم من هو أشد كفرا ونفاقا ممن يتنشق حرَّ الهواء بلا سائس أو مؤدب يؤدبهم، مما تولَّد لديهم فساد الطبع، فهل يستوي هو، ومن أصبح وأمسى مشاهدا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. فالأولى ألا يعلم حدود ما أنزل الله أدلة الأحكام والعدل والتوحيد) [4] .
الآية الثالثة: {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (التوبة:98) ،
فضيحة أخرى تكشف خبث نواياهم ومكنون صدورهم باعتبار نفقتهم المردودة حسرة عليهم، وفي ذلك بيان لأخطر صفاتهم ألا وهي كراهيتهم للمسلمين وتربصهم بالموت الساحق والهزيمة الماحقة، هذه الصفة ليست في منافقي الأعراب فحسب، بل في كل المنافقين الذين
(1) سنن النسائي: ك/الصيد والذبائح، ب/اتباع الصيد، ص/663، ح/4309. (صحيح)
(2) هو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي ولد في غزة 150 هـ تلقى علومه في شتى البلاد وعلى يد ثلة من عظام العلماء اشتهر بالورع والتقوى والزهد والعلم، له الكثير من المصنفات في شتى العلوم توفي بمصر 204 هـ انظر: الإمام الشافعي ناصر السنة وواضع الأصول، لعبد الحليم الجندي: ص/27 - 33، ط/3، دار المعارف/ القاهرة. ولعلم والعلماء لأبي بكر الجزائري: ص/319 - 340 باختصار.
(3) ديوان الإمام الشافعي: ص/41، دار الجيل/بيروت، ط/3، 1974 م.
(4) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/166 باختصار.