يوالون أعداء الله تعالى، وما أكثرهم في تحالفاتهم الخبيثة في كثير من ديار المسلمين! حيث باتوا يتمنون لأئمة الكفر من اليهود بالشفاء ليواصلوا إجرامهم في المسلمين قتلا، بل ويتعجلونهم لغزو ديارهم، والحمد لله أن الله متربص بهم، يقول الرازي في ذلك: (الآفة والمضرة والشر والبلاء والمكروه المحيط بالإنسان كالدائرة التي ليس منها مخلص) [1] .
الآية الرابعة: {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (التوبة:99) ،
صنف آخر من الأعراب مختلف بالكلية عمن سبقهم من الذين يعتبرون إنفاقهم غرامة، فهم ليسوا سواء، فإن كان منهم المنافقون؛ كذلك منهم المؤمنون الذين يتقربون إلى الله بالجهاد وسرعة الإنفاق، ويعتبرون ذلك قربات لله ورسوله، يقول الرازي عن الفريق الثاني: ( ... كونه بحيث يتخذ ما ينفقه قربات عند الله وصلوات الرسول - صلى الله عليه وسلم -، الذي هو أحرص من المؤمنين على أنفسهم في كل شيء) [2] . فمغفرة الله لكل من يؤمن بالله ويعمل صالحا حبا وتقربا في الله ورسوله.
الآية الخامسة: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ*وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ*خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (التوبة:101 - 103) ،
دعوة من الله تعالى للمؤمنين أن يأخذوا حذرهم من المنافقين المخفيين من الأعراب، حول المدينة ومَنْ فيها الذين مردوا [3] على النفاق، ولا يعلمهم كثير من الناس، الذين سيعذبهم الله في الدنيا، بفضحهم وبيان كذبهم، وإما سيعذبهم بالقتل والسبي، ليزيدهم عذابا فوق عذابهم، وإما بانتصار الإسلام والمسلمين، فيزدادون عذابا وقهرا مع قهرهم، وغيظا فوق غيظهم.
ولتمام عدله وسعة رحمته وعظيم ومغفرته، بيَّنَ فريقا آخر من الأعراب الذين لم يتخلفوا نفاقا عن الجهاد، ولم يختلقوا الأكاذيب والأعذار الواهية، بل جاءوا بتوبتهم نادمين مقرين بما اقترفت أيديهم، بعد تخلفهم عن الجهاد، ثم طَمَّعَهُم الله بتوبته فأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم، ليدللوا على إخلاص توبتهم، وصدقهم في ذلك ليخرجوا من شح نفوسهم وضيقها إلى رحابة عفو الله وكرمه وجُودِهِ، يقول سعيد حوى: (وفي ذلك دلالة على أن الصدقة
(1) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/166 - 167 باختصار.
(2) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/167.
(3) تمرَّد: عصوا واستعصوا، ومرد عتا وطغى، انظر: كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي: ج/4، ص/132.