لا بد لكل تجربة تمر بالإنسان أن يكون لها أثر في حياته سلبا أم إيجابا، لذلك كان لزاما على المؤمنين الصالحين الصادقين المجاهدين، أن يعلموا أن الله يقبل التوبة من عباده العاملين، والذين خلطوا بين الصالح منها، والسيئ، وأنه جل في علاه سوف يرى هذه الأعمال، {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ*وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ*وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة:104 - 106) ،
لقد كان لهذه الغزوة الكثير من الدروس والهدايات التربوية العظيمة التي يحتاج إليها كل مؤمن في طريقه إلى الله ولقائه واستخلاص العبر التي أرادها الله تعالى لهذه الأمة:
-يجب أن يكون أمر الله مقدم على كل شيء، فلا بد أن يمتثل المسلمون أمر ربهم أيا كانت الصعوبات والشدائد، فقد امتثل الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - أمر ربهم رغم طول السفر وبعد المسير، وشدة الحر، والمال عزيز، لذا وجدنا السابقون بكل الحب والترحاب وعن طيب نفس ينفقون أعزَّ ما يملكون، ومن لم يجد، {تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُون} (التوبة:92) .
-لقد كان للإنفاق والجهاد أثر تربوي كبير في نفوس المؤمنين، حيث كان المال عزيزا لقلته، حيث انخلع كثير من الصحابة من أموالهم كأبي بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والعباس وغيرهم - رضي الله عنهم - أجمعين بسخاء حبا في الله ورسوله، وجهادًا في سبيله، ثم توافد المسلمون كل بحسبه ينفق ما يستطيع وما يملك، ومع أن المسلمين أغلبهم من الفقراء، ومنهم من بلغ من الفقرِ والضعف ما بلغ إلا أنهم بذلوا ما بأيديهم، وقدموا ما بوسعهم، كما جاءت النساء بما قدرن عليه من صدقاتٍ وحليٍّ وخلاخل وقروط وخواتم، وألقينه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، آثروا جنة عرضها السموات والأرض على تَجَمُلِهِنَّ وزِينَتِهِن. ليكون في ذلك أكبر الأثر في تربية النفوس المسلمة رجالا ونساءً، على العطاء والجهاد بالنفس والمال.
-لا بد من التأكد من صدق الصادقين وكذب المكذبين، حتى يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وحتى لا يؤتى المسلمون من مأمنهم.
-إن المؤمنين لا يستأذنون في الجهاد، بل يتقدمون الصفوف ويسارعون إليه بالغالي والنفيس، ومن يتخلف منهم فإنه يسرع في التوبة النصوح الصادقة.
-يجب أن يسعد المؤمنون لتخلف المنافقين عن الجهاد، وذلك لأن وجودهم زيادة في الشر والفساد ويثيرون الفتن ليزداد المؤمنون تخبطًا واضطرابا.
-لا بد أن يحذر المؤمن من مجالسة المنافقين، والاستماع لهم، لأن في ذلك شر محض.