فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 330

ثانيا: كان المنافقون يتربصون بالمؤمنين الدوائر، بعد أن رأوا نجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسطع في كل الميادين، دون عوائق تذكر، فطفق هؤلاء يأملون في تحقيق حقدهم المكنون في صدورهم، من خلال غزو الروم المتوقع للمسلمين، فاستمروا في مؤامراتهم المتمثلة ببناء مسجد الضرار الذي بنوه ريبة وكفرا وتفريقا بين المؤمنين، فطلبوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي فيه، سعيا لخداع المؤمنين، في محاولتهم إخفاء مراميهم ودسائسهم، بعد أن ظنوا قرب تحقق آمالهم، فيما لو نجح الروم في غزوهم، لكن النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - أخر الصلاة فيه ـ إلى قفوله من الغزوة ـ لشغله بالجهاز [1] ، فتأجل افتتاحه حتى يعود، وفي الطريق نزل قرآن يفضحهم، حتى أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهدم المسجد بعد القفول من الغزو بدل أن يصلي فيه [2] .

ثالثا: تناهى إلى مسامع المسلمين أن مقدمة جيش الروم بلغت البلقاء [3] بعد أن هيأ هرقل جيشا عرمرما قوامه أربعون ألف مقاتل بقيادة أحد عظمائهم، ومعهم بعض متنصرة العرب من لخم وجذام وغيرهما [4] .

رابعا: كان الفصل قيظا، والناس في عسر وجدب، وقلة من الظهر، وقد طابت الثمار والمقام في ظلالها، والمسافة بعيدة والطريق وعرة، فاستنفر الرسول - صلى الله عليه وسلم - صحابته وأهل القرى المجاورة أن يتجهزوا للقتال وهم بهذا الحال، وأعلمهم بالوجهة التي يريد، بخلاف ما سبق من الغزوات حيث كان يكني بغيرها ويعرِّض، فجلَّى للناس أمرهم، ليتأهبوا تمام الأهبة [5] .

ليدرك الجميع خطورة المرحلة، وأن المقام في الدنيا إنما هو عبورٌ للآخرة، فنزل جزء من السورة تستحث المؤمنين على الجهاد، وترغب فيه وفي إنفاق الصدقات، فتسابق المؤمنون لامتثال أمر الله تعالى، ولنداء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما تخلف منهم أحد، إلا من كان في قلبه مرض، والثلاثة الذين خلفوا، وأصحاب الفاقة الذين لا يجدون ما ينفقون.

لقد كانت الجاهلية تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد غزوة حنين، وأصحاب القلوب المريضة يرجفون في المدينة، وخاصة أن أخبار الروم بدأت تزحف نحو المسلمين، والحال جدا صعب، فلا بد من أن يأخذ القائد الأعلى - صلى الله عليه وسلم - قراره الحاسم في التصدي لكل ذلك، ليقضي على ما تبقى من جاهلية في نفوس أهلها، ويقطع دابر المجرمين، ويلجم المنافقين، ويشحذ همم المؤمنين بتقوية عزائمهم، في مواجهة تحالف الثالوث: (المنافقون واليهود والصليبيون) ، حيث كانوا يخططون لاستباحة بيضة المسلمين، ووأد خضرائهم، وإضاعة هيبتهم ومكانتهم.

(1) جَِهاز بالفتح والكسر، وهو جهز المسافر، وجَهز الراحلة، لسان اللسان لابن منظور: ج/1، ص/212، ما أعده - صلى الله عليه وسلم - استعدادا للغزو.

(2) الرحيق المختوم للمباركفوري: ص/ 369 باختصار. دار الوفاء / المنصورة، ط/2004 م

(3) من أعمال دمشق من الشام ووادي القرى وقصبتها عمَّان، انظر معجم البلدان لياقوت الحموي: ج/1، ص/579 - 580 باختصار.

(4) الرحيق المختوم للمباركفوري: ص/ 369.

(5) السيرة النبوية لابن هشام ج/.2، ص/ 516،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت