لم يشفع للمشركين عمارتهم للمسجد الحرام وخدمة الحجيج أن يتقدموا على المؤمنين المسلمين، (لأن ميزان التفاضل عند الله تعالى قائم على الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، كما أن الحديث يبين عِظَمُ فضلِ الجهادِ ومكانته المقدمة على أي عمل لا يكون لله خالصا كعمارة البيت الحرام، وخدمة الحجيج، لأن عمارة المسجد الحرام دون إخلاص لله تعالى يعتبر فاسدا) [1] .
سبب نزول قوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} (التوبة:58) ، سبب نزول الآية، فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم قسما إذ جاءه ذو الخويصرة، فقال اعدل، فقال: (ويلك من يعدل إن لم أعدل) [2] .
يفضح الله نوعا آخر من المنافقين ببيان قبح أقوالهم وأفعالهم، وخاصة في طعنهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول الفخر الرازي [3] : (اعلم أن المقصود من هذا شرح نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم، وهو طعنهم في الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء ويقولون: إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل) [4] بأسلوب اللمز [5] .
وفي سبب نزول قوله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (التوبة:79) ، فعن أبي مسعود [6] قال: لما نزلت آية الصدقة، كنا نُحامل، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فنزل: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ .... الآية} (التوبة:79) [7] .
صورة أخرى من صورهم القبيحة بعد أن طعنوا برسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، ها هم يطعنون بالمؤمنين ويلمزونهم في صدقاتهم، فتارة يطعنون في الأغنياء: أنهم من أهل الرياء، وتارة يسخرون من الذين لا يجدون إلا جهدهم من الفقراء، سخر الله منهم [8] .
يبين هذا التصرف القبيح من المنافقين، أن وقت نزول هذه الآيات كان قبل الغزوة، نظرا لأن صدقات المؤمنين كانت قبل غزوة تبوك استعدادا للجهاد والغزو.
وفي قوله تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} (التوبة:84) ، سبب نزول الآية: عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله
(1) في ظلال القرآن ج/3، ص/ 1613 - 1614 باختصار وتصرف.
(2) لباب النقول في أسباب النزول، لعبد الرحمن السيوطي: مكتبة الصفا/القاهرة، ط/1/ 2002 م، ص/144.
(3) هو محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن على فخر الدين أبو عبد الله القرشي البكري التيمي الرازي العالم والمصنف الكبير ولد 544، ووفاته 606 هـ، طبقات المفسرين ج/2، ص/ 215 - 218.
(4) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/ 16، ص/ 97.
(5) اللمز كالهمز هو العيب، وأصله الإشارة بالعين، المختار الصحاح للرازي: ص/ 252 وص/ 291 ..
(6) هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري البدري، شهد العقبة، مات 40 هـ، تهذيب التهذيب للعسقلاني: ج/4، ص/157.
(7) صحيح البخاري: ك/الزكاة، ب/اتقوا النار ولو بشق تمرة، ج/1، ص/277، ح/1415. لباب النقول للسيوطي: ص/ 146 - 147.
(8) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/16، ص/ 145.