وقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (التوبة:113) ، وسبب نزول هذه الآية من طريق سعيد بن نسيب عن أبيه (قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: أي عم قل لا إله إلا الله أحاجُّ لك بها عند الله فقال أبو جهل و عبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) فنزلت: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (التوبة:113) [1] .
ظاهر هذه الآية تقول أن نزولها كان في مكة، لكن لمَّا بَيَّنَ الله تعالى من أول السورة وجوب إظهار البراءة عن الكفار والمنافقين من جميع الوجوه، بين في هذه الآية أنه تجب البراءة عن أمواتهم، وإن كانوا في غاية القرب كالأب والأم، كما أوجبت البراءة عن أحيائهم [2] . وقوله تعالى: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة:117) ، وسبب نزولها ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، (فوالله ما أعلم أحدًا أبلاه الله في صدق الحديث مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا كذبًا، وأنزل الله عزَّ وجل على رسوله - صلى الله عليه وسلم - {لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيَّ وَالْمُهَاجِرِينَ} (التوبة:117) ، إلى قوله: {وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين} (التوبة:119) [3] .
إن خاتمة السورة نزلت بالتوبة على الثلاثة الذين خلِّفُوا وصدقوا في توبتهم بعد الرجوع من غزوة تبوك بخمسين ليلة، إلا الآيتين الأخيرتين، فهما مكيتان باتفاق العلماء.
(1) صحيح البخاري، ك/ التفسير، ب/ {ما كان للنبي والذين آمنوا .. } ج/3، ص/ 936 - 937. ح/4675.
(2) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/ 16، ص/ 208. بتصرف.
(3) صحيح البخاري، ك/ التفسير، ب/ {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} ، ج/ 3، ص/ 938، ح/4678.