فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 330

يقول الشيخ البقاعي في مقدمة تفسيره (نظم الدرر) عن علم المناسبة، ثمرته وأهميته وعلاقته بالتفسير: (تتوقف الإجادة فيه على معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فيها، ويفيد ذلك معرفة المقصود من جميع جملها؛ فلذلك كان هذا العلم في غاية النفاسة، وكانت نسبته من علم التفسير نسبة علم البيان من النحو) [1] .

إن أوجه المناسبة بين الآيات والسور، يرجع إلى رابطين أساسيين، أحدهما: لفظي واضح الدلالة، والآخر: معنوي يظهر من خلال السياق، فالتناسق بين المفردات اللفظية والآيات والسور، يغني في مواطن كثيرة عن التماس أسباب النزول، كما أن انسجام المعاني يغني عن التماس الوقائع التاريخية في مواضع كثيرة، فبدت السور والآيات بتناسقها وتناسبها، كدرر غاية في الجمال، مما شجع الكثير من الباحثين والعلماء على الاهتمام والبحث في فن المناسبات. ومعرفتها، والوقوف على أسرار الإعجاز فيها، فتمكّنوا بفضل الله تعالى وبعونه من اقتناص بعض أسراره الجليلة، ارتكزت في كنهها على مناسبات وعلاقات عديدة بين السور والآيات والكلمات والحروف في القرآن الحكيم [2] .

إن الناظر في هذه البحوث المستجدّة، يلاحظ أنها أضفت أبعادًا فنّية رائعة إلى الروابط والعلاقات بين مكوّنات القرآن الحكيم، وجلّت نماذج عجيبة تشتبك فيها خيوط النسج القرآني وفق موازين عددية، داخلية وخارجية، لتحقّق أداة ترابطية، يتماسك النصّ من خلالها بصورة مطلقة، ولتوحي بأن هذا الكتاب العظيم أنزله العليم الحكيم على قلب رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم -.

إذا كان لمعرفة سبب النزول أثر في فهم المعنى وتفسير الآية، فإن معرفة المناسبة بين الآيات تساعد على حسن التأويل ودقة الفهم كذلك، وإدراك اتساق المعاني بين الآيات والوصول إلى ترابط أفكارها وتواؤم ألفاظها، توصلنا إلى مدارك جديدة إن أحسنا النظر وأطلنا التدبر في الدروس المتعددة والمواعظ في الأحكام والأخلاق والقصص القرآني وآيات العقيدة وغيرها من مقاصد القرآن، لذلك نقل الإمام السيوطي قاعدة جليلة لبعض المتأخرين في ذلك فقال: (الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبة الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذي سيقت له السورة، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القُرْب والبُعْد المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في مقدمات إلى ما تستتبعه من استشراف نَفْس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له التي تقتضي البلاغة شفاء الغليل بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها؛ فهذا الأمر الكلي المعين على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن، فإذا فعلته بَيَّن لك وجه النظم مفصلًا بين كل آية وآية في كل سورة وسورة) [3] .

(1) نظم الدرر للبقاعي: ج /1 ص /5.

(2) انظر: http://www.alargam.com/prove 2/burhan/13.htm القول لبدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1/ 62 نقلا عن القاضي ابو بكر بن العربي باختصار وتصرف

(3) معترك الأقران في إعجاز القرآن للسيوطي: ج/1 ص/49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت