فالقرآن يبث هذه المعاني من خلال المقاصد والأهداف الموزعة بين ثنايا الآيات ومن خلال السور، فلو اجتمع كل نوع على حدة، دون الارتباط الخفي بالمناسبة بين الآيات والسور، لفقد القرآن خاصيته وأعظم مزايا هدايته المقصودة، كما أن تنسيقه البديع يصل به إلى حد الذروة في الإعجاز البلاغي، والإحكام البياني وروعة الأسلوب، {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود:1) .
يقول الإمام الزركشي [1] : واعلم أن المناسبة علم شريف تحرز بها العقول ويعرف به قدر القائل فيما يقول، وفائدته: جعل أجزاء الكلام بعضها آخذ بأعناق بعض فيقوى بذلك الارتباط ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء [2] .
ويقول الإمام البقاعي: علم تعرف منه علل ترتيب أجزائه، وهو سر البلاغة لأدائه إلى تحقيق مطابقة المعاني لما اقتضاه من الحال [3] .
ومن هذه الفوائد:
-نستطيع من خلال وجوه المناسبات المختلفة من تحديد بعض الأهداف والمقاصد القرآنية الخفية [4] .
-يعين على فهم الآيات وحسن تأويل القرآن الكريم، وتحديد المراد منها، فعند معرفة المناسبة بين أول السورة وآخرها، ندرك خطورة التولي والإعراض عن أمر الله وأن إعراضهم وتوليهم لا يضر إلا من تولى، كما وندرك حقيقة عدم إعجازهم لله في شيء، قال الله تعالى: {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (التوبة:3) ، وقوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} (التوبة:129) [5] .
-يبرز جانبا من جوانب إعجاز القرآن الكريم [6] ، ليظهر الإعجاز البلاغي بأبهى صوره، وتمام بنيانه، ففي قوله تعالى: {بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} (التوبة:1) ، نجد أن وجه الصلة والمناسبة بين أول الآية {براءةُ} اللهِ جلَّ في علاه، وبراءةُ رسوله - صلى الله عليه وسلم - وبين آخر الآية {إلى الذين} المُعَاهَدِين الذين نقضوا عهودهم في التالي:
(1) هو محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي العلامة المصنف بدر الدين المصري المولد 745 نشأ وارتحل في طلب العلم الفقيه الأصولي المفسر، له تصانيف كثيرة مات 852 هـ، طبقات المفسرين للداوودي: ص/162 - 163.
(2) البرهان في علوم القرآن الزركشي: ج/1 ص/61 - 62، باختصار.
(3) نظم الدرر للبقاعي: ج / 1، ص/ 5.
(4) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: ج/4، ص/284 بتصرف.
(5) المصدر السابق: ص/285.
(6) مباحث في التفسير الموضوعي د. مصطفى مسلم: ص/90،دار القلم / دمشق، ط/4/ 2005 م.