فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 330

(فهي كالمتممة لسورة الأنفال في معظم ما فيها من أصول الدين وفروعه والسنن الإلهية والتشريع) [1] ، فسورة الأنفال في أغلبها تحذر من المشركين وتمهد للتبرؤ منهم وتدعو لذلك ممن يخشى نقضه للعهود، قال الله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} (الأنفال:57 - 58) ، وجاءت التوبة من بدايتها تعلن البراءة من المشركين وترد عهدهم بسبب غدرهم.

يقول البقاعي:

(ولما كانت مناسبة أولها ـ الداعي إلى البراءة ممن يخشى نقضه للعهد ـ لآخر الأنفال المبين لمن يصلح للولاية المختتم بشمول العلم ... وقدمت الأنفال مع قصرها على براءة مع طولها واشتباه أمرها على الصحابة في كونها سورة مستقلة أو بعض السورة كما قدمت آل عمران مع قصرها على النساء ... فكان ما ذكر من البراءة والتولي شرحًا لآخر الأنفال [2] . يقول ابن العربي [3] : (هذا دليل على أن القياس أصل في الدين، ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجؤوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة(براءة) شبيهة بقصة (الأنفال) فألحقوها بها [4] .

من وجوه التناسب بين سورتي"الأنفال"و"التوبة":

-ذكر بعض صفات المشركين في"الأنفال"، أتبعت في"التوبة"بعض صفات المشركين وأهل الكتاب والمنافقين، من نقض للعهد، والتولي بعد العلم، وغيرها الكثير من الصفات التي اتسم بها المشركون والمنافقون، يقول البقاعي: وأن هذه الصفات ليست خاصة بالمخاطبين بل هي عامة لكل من اتصف بصفتهم، فمدار خيانتهم على الوصف فقال: {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًا} أي قرابة واصلا جيدا ثابتا، {وَلَا ذِمَّة} أي عهدا أكيدا [5] .

-جاء صدر سورة التوبة شارحا ومفصلا لآخر الأنفال وخاصة في قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِين * وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} (الأنفال:58 - 59) . فالله لا يحب الخائنين، ومبعدون من رحمته؛ لأنهم كذبوا من صدَّقهم، وخانوا من أَمَّنَهُم، وغدروا من عاهدهم، ونقضوا العهد، فاستحقوا لواء الغدر يوم القيامة، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لكل غادر لواء يوم

(1) تفسير القرآن الحكيم (المنار) لمحمد رشيد رضا: ج/ 10 ص/ 147، دار المعرفة بيروت.

(2) نظم الدرر للبقاعي: ج 3، ص/ 258، اقتباس وتصرف.

(3) هو الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن العربي ولد بأشبيلية سنة 468 هـ نشأ ببيت علم، وله الكثير من المؤلفات. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان، ج/3، ص/423 باختصار.

(4) أحكام القرآن لابن العربي: ج/2، ص/ 881.

(5) نظم الدرر للبقاعي: ج/3 ص/ 276، بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت