{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة:60) .
-في"الأنفال"ذَكَر العهود، وفي براءة نبذ العهود [1] ، إلا إن الأنفال تناولت العهود بأن يأخذ المسلمون حذرهم في معاملة المشركين وعهودهم، فقال: {الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ} (الأنفال:56) ، وأمر بنبذ عهدهم إذا ما لاحظ المسلمون خيانة، من المشركين، فقال: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} (الأنفال:58) ، وفي"التوبة"أمر بالوفاء الكامل من قبل المشركين بعهودهم وأن لا ينقصوا المسلمين شيئا، فقال: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (التوبة:4) ، ثم رد عهودهم إذا ما حالوا الإخلال بعهدهم، فقال تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (التوبة:7) ، إن التمهيد في"الأنفال"بغدر المشركين للبراءة منهم، ودعوته لهم بالتوبة في"التوبة"، ليبين لنا عظم التناسب بين السورتين وأهمية أحد المقاصد العظيمة في السورتين، العهود، يقول محمد رشيد رضا: (والمناسب منها لما هنا ما ورد في"الأنفال"من وجوب الوفاء بالعهد، وتحريم الخيانة) [2] . هذا كله يظهر لنا حال أمتنا واستضعافها من قبل أعدائها وهم كثير، بسبب هوانها، وعشقها للذل والانكسار، وليقرأ المسلمون اليوم هذه الآيات ولينظروا كيف تستباح دماء المسلمين ليل نهار، فلا يَرْجُفْ لهم رمشٌ ولا تهتزُ لهم شعرة، بل الوفاء من قِبَلِ مَنْ يَتَوَلَّوْنَ اليوم زمام الأمور في بلادنا، لأهل الغدر من المشركين وأهل الكتاب، بخلاف قول الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
-في"الأنفال"تولى سبحانه وتعالى قسمة الغنائم، قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (الأنفال:1) ، في وسط السورة بين كيفية تقسيمها، قال الله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (الأنفال:41) ، وجعل فيها الخمس لله ولرسوله والفقراء والمساكين وأهل الاحتياجات، والباقي أربعة أخماسها للمجاهدين للراجل قسمة وللفارس قسمتان، لما له من تأثير في الحرب، ولأن فرسه له نفقة العلف [3] ، أما"التوبة"فتحدث الله فيها عن الصدقات (أي الزكوات الواجبة) [4] فجعلها ثمانية
(1) الكشاف للزمخشري: ج/ 2، ص/275، مكتبة مصر/ القاهرة، بدون طبعة.
(2) تفسير المنار لمحمد رشيد رضا: ج/10، ص/181.
(3) أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري: ج/2 ص/ 239، مكتبة العلوم والحكم / المدينة المنورة، ط/ 5/ 2003 م.
(4) تفسير كلام المنان لعبد الرحمن السعدي: ص/ 320 ط/ 1، 2002 م مكتبة الصفا / القاهرة نسخة واحدة ..