(أي قاتلوا الذين أخذت عليهم رسلهم العهود والمواثيق بإتَّبَاعِه، ثم بين الموصول مع صلته فقال: {الَّذِينَ} ودل على استهانته سبحانه بهم وبراءته منهم، بأن بنى للمفعول قوله: {أُوتُوا الْكِتَاب} من اليهود والنصارى ومن ألحق بهم) [1] .
ثم ألحق المنافقين وشبههم بالأحبار والرهبان، في صدهم عن سبيل الله وأكلهم أموال الناس بالباطل، يقول الرازي: {والذين} احتمالات ثلاثة: أنهم الأحبار والرهبان، والاحتمال الثاني: مانعو الزكاة من المسلمين، والثالث: أن يكون كل من كنز المال من الأحبار والرهبان أو كان من المسلمين، واللفظ يحتمل الثلاثة) [2] ، وذهب إلى أنهم مانعوا الزكاة من المسلمين، لأن الآية تحدثت عن الإنفاق في سبيل الله، وأهل الكتاب لا يحاسبون عن الإنفاق، بقدر ما سيحاسبون عن كفرهم.
كما ربط بين أهمية الجهاد ونتائجه، وخطورة أهل الكتاب والمنافقين بإعراضهم، فتناسب تشبيههم بالمشركين وأهل الكتاب الذين يجيدون فن الإعراض وبث الأراجيف، لذلك حذّرَ المسلمين من سماعهم ومخالطتهم فقال: {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} (التوبة:47) ، ثم بين بعض صفات المنافقين الخطيرة، فقال: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} (التوبة:54) ، ليربط ذلك بكيفية استهزائهم بالمؤمنين المتصدقين، ويربط ذلك بآية الزكاة، لتتواصل الآيات في الحديث عن المنافقين، حيث أخذوا مساحة واسعة من السورة، ثم جمع الله تعالى مع المنافقين عموم الكفار، عندما أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بقتالهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (التوبة:73) ، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - مطبوع على الرفق، أمره ربه بالغلظة [3] عليهم ليتناسب إعلان البراءة والحرب عليهم والغلظة، وليكن سبب الحرب والغلظة فيهم هو الغدر الذي يتقنوه، ويحض على الجهاد ويبين فضله في مواضع متعددة، ليختم السورة أيضا بحث المؤمنين على قتال الكفار، وخاصة الأقرب لحدود الدولة الإسلامية، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (التوبة:123) ، ليرسخ فكرة الدولة في نفوس المؤمنين ويعطي لهذه الدولة حرمة لها من خلال الحفاظ على أهم أركان سيادتها، وليجدوا في قتالكم لهم شدة وخشونة ومتعلقاته، كما في الآية السابقة بقوله تعالى: {واغلظ عليهم} ، لأن الغلظة من متطلبات الحرب، ومقتضيات المصلحة وطبيعة القتال [4] ، ليكون التناسب بين أول السورة ووسطها متناغم بصورة بديعة تعطينا درر المعاني والأسرار من المقاصد والأهداف.
(1) المصدر السابق: ج/ 3، ص/ 299، بتصرف.
(2) مفاتيح الغيب لفخر الرازي: ج/15، ص/ 43 باختصار وتصرف.
(3) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/ 360. بتصرف
(4) تفسير المنار لمحمد رشيد رضا: ج/ 11، ص/ 81. بتصرف