حذّر الله تعالى من التولي والإعراض في أول السورة فقال: {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيم} (التوبة:3) ، وحذر في آخرها من التولي والإعراض فقال: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} (التوبة:129) . أي فاستعن بالله يا محمد وفوض أمرك له فهو كافيك، ويعطي بحسب الكفاية التي تغني عن غيره [1] . فالتولي والإعراض من قبل المشركين، سيكون وبالا عليهم في الدنيا والآخرة، ولن يعجزوا الله في شيء، لذا أوجب الله تعالى في أول السورة بمقاتلة الكفار وأئمتهم، قال تعالى: {وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ*أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ*قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} (التوبة:12 - 14) ، ولذلك عَنْوَنَ الشيخ كشك [2] لهذه الآيات عنوانا قال فيه: (تحريض على قتال المشركين) ، ثم فسر قائلا: كيف لا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ونقضوا عهدهم، وهذا استفهام لإنكار عدم قتالهم، وهو يفيد الحض على القتال) [3] ، فوجب قتال أهل الكفر والبغي على غدرهم، يقول القرطبي: (استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدِّين إذ هو كافر، والطعن: أن ينسب إليه ما لا يليق به، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدِّين) [4] ، كما أن البراءة منهم واجب شرعي، كما وجب أن يكون المؤمنون كافة يدا وصفا واحدة، لدفع عدوان المجرمين كافَّة، ومن يتواطأ معهم ضد أهل الإيمان كما هو حاصل في حصار بيت المقدس وأكنافه اليوم، من قبل أعداء الله تعالى من اليهود والنصارى والمنافقين، فلذلك ارتبطت البراءة من المجرمين بقتالهم لغدرهم، قال الله تعالى: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} (التوبة:13) ، ثم حثَّ على قتالهم كافة، فقال: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} (التوبة:36) ، ولذلك نجد السورة من أولها تّتتّابّعُ آياتُها في الحضِّ على قتال المشركين وأهل الكتاب والمنافقين والكافرين عموما، واستعمال الغلظة في قتالهم، حيث تكررت كلمة الغلظة في القرآن الكريم ثلاثة عشر مرة [5] ثلاثة منها مرتبطة بالميثاق والعهد، وواحدة مرتبطة بالزرع ونموه، والتسعة الباقية مرتبطة بمعنى القسوة والشدة، فالغلظة: ضد الرأفة [6] . يقول القرطبي: (وهي شدة القلب على إحلال الأمر بصاحبه) [7] ، جمعت سورة التوبة فيها اثنتين من مفردات الغلظة التي تعني القسوة، لتدلل على مدى شدة هذه
(1) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/ 409، بتصرف.
(2) عبد الحميد عبد العزيز محمد كشك، الخطيب المفوه والداعية المعروف اعتقل عدة مرات لجرأته، ولد 1933 م وتوفي 1996 م باختصار من موقع طرق الإسلام: http://www.islamway.com/?iw_s=Scholar&iw_a=info&scholar_id=39
(3) في رحاب التفسير لعبد الحميد كشك: م / 2، ص/ 1524، المكتب المصري الحديث القاهرة، ط/ 1/ 1988 م.
(4) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج/ 5، ص/ 100.
(5) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ص/ 504، دار الهجرة/ بيروت، ط/1985 م.
(6) القاموس المحيط للفيروز أبادي: ج/2، ص/600.
(7) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج/5، ص/195.