السورة العظيمة على المشركين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (التوبة:73) ، فكان الأمر بقتال وجهاد أهل الكفر والنفاق، للعلاقة الباطنة والظاهرة بينهما، وبيان موالاة المنافقين للكافرين، وليرسم معالم الدولة وأركان سيادتها وأهمها الحدود، فأمر بقتال الأقرب خطرا على الدولة الإسلامية وخاصة ممن يجاور الدولة الإسلامية من الكافرين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (التوبة:123) ، كما عنون الشيخ كشك عنوانا آخر للآيات من سورة براءة، (حماية حدود الدولة الإسلامية ... ثم ذكر: لما أمر فيما سبق بقتال المشركين كافة، أرشدهم في هذه الآية إلى طريق السداد، بأن يبدءوا بقتال من يليهم، ثم ينتقلوا إلى الأبعد فالأبعد، وليجدوا فيكم جرأة وصبرا وعنفا في القتل والأسر، كما قال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} (التوبة:73 ) ) [1] ، فناسب أول السورة وسطها، كما ناسب آخرها.
كما أن التبرؤ يستلزم عدم الاستغفار ممن نتبرأ منهم، قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (التوبة:113) ، فهذا أبو طالب عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومؤيده وناصره ومن دافع عنه، قد حرم من استغفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له، ذكر القرطبي: هذه الآية تضمنت قطع موالاة الكفار حيهم وميتهم [2] . فقد ذكر البخاري في صحيحه: (أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وعنده أبو جهل فقال:(أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله) . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به على ملة عبد المطلب فقال النبي (لأستغفرن لك ما لم أنه عنه) . فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (التوبة:113) . ونزلت {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} (القصص:56) [3] . نقل ابن كثير: (عن ابن عباس - رضي الله عنه - في تفسير هذه الآية، كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فأمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا) [4] .
إن وجوه المناسبة في السورة كثيرة، بحيث تبين وحدتها الموضوعية، وأهدافها ومقاصدها فتظهر أكثر وضوحا وجلاء، فالتناسب والتلاؤم البديع بين آيات السورة واضح وجلي، وخاصة فيما يتعلق بالموضوع الأساس"التوبة"، وسيتم الطرح من خلال مطلب محور السورة في المبحث القادم.
(1) في رحاب التفسير للشيخ كشك: م / 2، ص/ 1622.
(2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج/ 5، ص/ 249.
(3) صحيح البخاري: ك/ مناقب الأنصار، ب/ قصة أبي طالب، ج/ 2، ص/ 772.
(4) تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ج/ 2، ص/ 433.