يقول الفخر الرازي: (أنه تعالى بين أن ذلك الاستهزاء كان كفرا) [1] . ومع ذلك يعفو عنهم، قال الله تعالى: {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِنْكُمْ} (التوبة:66) ، ويتوب جل في علاه عليهم، قال الله تعالى: {فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ} (التوبة:74) .
وختم السورة بقصة الثلاثة الذين خلِّفُوا وتوبته عليهم بأبهى صور التوبة وأروعها، قال الله تعالى: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة:118 - 119) .
لقد تكرر ذكر لفظة"التوبة"في السورة سبعة عشر مرة، أي أكثر من أي سورة أخرى [2] . وبالتالي فإن جو السورة العام هو التوبة والرحمة والرأفة والعفو والصفح، وأن ديننا خيرٌ محض، مع أن بدايتها شديدة على المشركين عموما، إلا أنها ختمت بأروع الآيات وأحسنها، بقوله: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ ... } ، ففضل الله علينا أن أخرج العباد من الظلمات إلى النور، ومن الذنب والمعصية إلى حب التوبة والاستغفار، ثم أثنى على صدق توبتهم، بخطاب الله تعالى إلى عموم المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين.
فسبحان الذي سبقت توبته توبة المستغفرين، فنقلهم من حب الذنوب إلى حب الاستغفار والتوبة، ومن كراهية الطاعات إلى محبتها، وهذا كله بفضل الله تعالى.
إن قسوة البراءة وتهديد المشركين ومن لف لفهم، والإذن بقتالهم، هو بداية التوبة عليهم، وصفحة بيضاء يدخل العصاة من خلالها إلى رحمة الله سبحانه وتعالى، ومن الذنب إلى الاستغفار كي يتوبوا، وقد كان مع كثير منهم.
فالجهاد والقتال على قسوته وكثرة جراحه، إلا أنه الدواء الشافي والبلسم الصافي لبتر كل ما هو فاسد، وفضل الله بتوبته دون استثناء للجميع، مهما اشتدت عداوتهم وعظمت ذنوبهم، فباب التوبة للتائب مفتوح، قال الله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (النساء:17) ، ودعوته جل في علاه قائمة ما دامت السموات والأرض، فلا يقنط من رحمته أحد مهما عظم الذنب وكبرت الخطيئة، إلا من كفر ومات على الكفر، قال الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر:53) .
(1) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/10 ص/123، دار الكتب العلمية، طهران، ط/2/ 1998 م.
(2) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي: ص/156 - 157 دار الهجرة / بيروت، ط/ 1985 م.