فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 330

سورة التوبة من أواخر ما نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ذكر البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه قال: سمعت البراء - رضي الله عنه - يقول:"آخر آية نزلت {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} (النساء:176) ، وآخر سورة نزلت براءة" [1] ولذلك كان نزولها قبل وفاته - صلى الله عليه وسلم - بقليل، لتكون الصورة الختامية واضحة المعالم، ماضية نحو المعمورة لترسيخ المنهج النبوي من جميع جوانبه الجهادية، خاصة أثناء الخطر الداهم الذي يهدد مجتمعاتنا، حيث يكون المسلم بين رائح وغاد، وفرح مستبشر أو قلق مهموم، أو سارح ساهٍ لا يدري ماذا يفعل [2] ، إلى عصرنا الحالي بغزوه الفكري والعسكري والاستيطاني، وواجب المسلمين إزاء ذلك.

كما أن نزول السورة كان اكتمالا للرسالة الخالدة، التي خرجت إلى شعوب الأرض كافة، وتعليقا على آخر غزوة غزاها النبي - صلى الله عليه وسلم -، التي كان عدد مجاهديها ثلاثين ألفًا [3] ، وكيف كان عدد المجاهدين في الغزوة الأولى؟:"الأبواء" [4] ، سبعين مجاهدا [5] . فالبون شاسع بين الغزوتين، في الزمن والكم وكيف كان حال المسلمين بين جهاد الدفع والطلب، فالصورة قبل غزوة تبوك وخلالها وبعدها كشفت عن أحوال الناس بأصنافهم المتباينة، وخاصة المنافقين، الذين هم أشد الخصوم خطرا على المؤمنين، فبين حقيقة جرمهم بالنفاق الذي ما انفك عنهم، ففضح زيف إيمانهم، فبحث عنهم وحفر على أساساتهم المنتفشة، ليبعثرهم ويفضحهم ويخزيهم وينكل بهم ويقعد لهم كل مرصد، ليشرد بهم ومن خلفهم، وكذلك المشركين وأهل الكتاب حيث شدد عليهم وأغلظ فيهم، تارة بالقتال وتارة بالتهديد والوعيد، لعلهم يتوبون ويثوبون ويرجعون، عندها يفتح الله لهم باب التوبة على مصراعيه.

إن الملامح الأساسية لسورة التوبة، وصورتها الجلية التوبة، فمحور السورة الأساس فيها التوبة، كيف لا؟، فأول السورة توبة، قال الله تعالى: {فإن تبتم فهو خير لكم} (التوبة:3) ، وتوبة يتبعها مغفرة من الله ورحمة، قال الله تعالى: { ... فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (التوبة:5) ، وفي وسط السورة توبة، رغم عظم جرم المشركين بشديد عداوتهم للمؤمنين، وبالرغم من قسوة المنافقين واستهزائهم بالله ورسوله والمؤمنين، وكثرة إرجافهم أثناء الغزوة مما يضاعف عظم الذنب ولما لهذا الاستهزاء والإرجاف من أثر في نفوس المجاهدين، ومع ذلك يعطي ربنا منحة العفو والصفح مع أن حكم الاستهزاء بالله ورسوله، يستوجب الكفر.

(1) صحيح البخاري: ك/ التفسير، ب/ {براءة من الله ورسوله .. } ج/3 ص/ 932، ح/4654.

(2) السيرة النبوية لابن هشام: ج/ 2، ص/ 516، بتصرف.

(3) الرحيق المختوم للمباركفوري: ص/ 371 دار الوفاء / المنصورة، ط منقحة وجديدة/2004 م.

(4) الأبواء موضع بين مكة والمدينة وسميت بذلك لتبوء السيول بها بودان وهي موضع بين الأبواء والجحفة وهي أول غزوة غزاها النبي - صلى الله عليه وسلم -. صحيح البخاري ج/2 ص/ 789، ك/ المغازي، ب/ باب غزوة العشيرة أو العسيرة. معجم البلدان للحموي: ج/1، ص/102.

(5) الرحيق المختوم للمبارك فوري: ص/ 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت