فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 330

إن إنهاء عهود الغادرين، وإعطاء مدة للملتزمين بالمواثيق، التي كانت قائمة بين المسلمين والمشركين ضرورة لا بد منها لتحديد نوعية العلاقة معهم، وإعطاء إنذار وتهديد لمن هم على غير العهد، فالبراءة المطلقة حددت بإنهاء هذه العلاقات التي ما كان من ورائها إلا الغدر والخيانة ويكون ذلك بإنهاء التعاقد أو التعاهد أصلا مع المشركين، واستنكار ما يكون من عهد، عند الله وعند رسوله - صلى الله عليه وسلم - [1] ، ومن ثم عند المؤمنين.

إن تحديد العلاقة مع المشركين أو قطعها تقودنا إلى هدف عظيم ومقصدٍ نبيل واضحِ الدلالة بيِّنٌ في كتاب الله تعالى، ألا وهو ريادة هذه الأمة لكافة الأمم، بمعنى أن من يملك قرار نفسه في تحديد علاقاته مع الآخرين فإنه يلزم الآخرين بها؛ لأنه سيد نفسه، ولننظر اليوم كيف تتحكم بعض الدول المستكبرة في مصير كثير من دولنا، بفعل طغيان المستكبرين وفقد سيادة المستضعفين، وكيف يحدد هذا الظالم علاقته مع الآخرين على أساس: إما أن تكون معنا أو تكون ضدنا، وما كان ليحدث هذا، لولا غياب القائد المسلم والقوة المسلمة الفاعلة عن الساحة العالمية، فالله لا يقبل للمسلمين أن يكونوا في ذيل الأمم، أو تبعا للكافرين من دون الله تعالى، وألا ينصروا رسوله - صلى الله عليه وسلم - الذي أخذ له الميثاق من النبيين بتصديقه - صلى الله عليه وسلم - ونصرته، قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} (آل عمران:81) ، يقول ابن كثير: (يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام لما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة وبلغ أي مبلغ ثم جاء رسول من بعده ليؤمنن به ولينصرنه ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من إتباع من بعث بعده ونصرته ... فالرسول - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام دائما إلى يوم الدين، هو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد لكان له واجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس) [2] ، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لقد رَأَيْتُنِي في الحِجْرِ. وقريش تسألني عن مسراي. فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لمْ أُثْبِتَها فَكُرِبْتُ كُرْبَةً ما كربت مثلَهُ قط، قال فرفعه الله لي أَنْظُرُ إليه، ما يسألوني عن شيءٍ إلا أَنْبَأْتُهم به، وقد رَأَيْتُنِي في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شَنُوءَةَ، وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي، أقربُ الناسِ به شبهًا عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم(يعني نفسه) ، فحانت الصلاةُ فأمّمْتُهُمْ، فلما فَرَغْتُ من الصلاة قال قائلٌ: يا مُحَمَّدُ!

(1) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/ 1586.

(2) تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ج/1، ص/405

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت