لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (التوبة:12) ، يقول القرطبي: (استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدين إذ هو كافر، والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق به، أو استخف بشيء من الدين ثبت بالدليل القطعي على صحة أصوله، واستقامة فروعه [1] .
فما أكثر المتهاونين والطاعنين اليوم في دين الله دون رادع مبين، ولو أخذ المسلمون أمرهم بحق الله تعالى، وطبقوا شرعه، ما تتطاول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصور الاستهزاء أحد، بعد أن أمعن اليهود والنصارى قتلا وتقتيلا في ديار المسلمين، كما لا ينبغي لهم أن يشاركوا المسلمين بشيء من عبادتهم الكفرية، حتى لا يكون هناك مجال للاستهزاء والطعن، قال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} (التوبة:17) ، لذا وضع الله تعالى قانونا يمنع دخول الكافرين مساجد الله عموما والمسجد الحرام على وجه الخصوص، (دلت الآية على أن الكفار ممنوعون من عمارة مسجد من مساجد المسلمين، حال كونهم مقرين بكفرهم، قولا، كقولهم: كفرنا بدين محمد، وفعلا: بسجودهم للأصنام) [2] ، مع بيان بعض صفات المؤمنين الذين يعمرون مساجد الله، كالمواظبة على أداء العبادات فيها، وقصدها للذكر والدعاء وإحياء شعائر الله تعالى [3] .
ثالثا: حرمة اتخاذ أولياء من دون الله: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (التوبة:23) ، بين تعالى: حُكْمًَا وقانونا إلهيا، بحرمة موالاة الكافرين، مع ضرورة التبرؤ منهم. يقول الرازي: (اعلم أن المقصود من ذكر هذه الآية أن يكون جوابا عن شبهة عدم إمكانية البراءة من الكفار، بسبب أن يكون الرجل مسلما، وأبوه كافرا أو أخوه، والعكس، وإذا كان الأمر كذلك، كانت البراءة التي أمر الله، كالشاق الممتنع المتعذر، فهذه الآية جاءت لتزيل هذه الشبهة) [4] . يقول البنا [5] : (فإن استحب الآباء والأخوة الكفر على الإيمان وجب التبرؤ منهم، فلو وقفوا على الحياد أو مكرهين لكان لأبنائهم أن يوالوهم إن شاءوا تقديرا للرحم وإبقاء للصلات الاجتماعية) [6] . من هذا القول الرباني نستنبط بعض الأسرار والحكم:
- (يا أيها الذين آمنوا) الخطاب لمن أقر بلسانه الإيمان وأعرض عمن سواه من الأنداد [7] .
-ضرورة البراءة من الكفر وأهله، والابتعاد عنهم ومفارقتهم، فعن جرير بن عبد الله البجلي [8] - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (أنا بريءٌ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) [9] .
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج/ 5، ص/ 100.
(2) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/7 - 8، بتصرف.
(3) نظرات في كتاب الله تعالى للشهيد حسن البنا: ص / 255، بتصرف.
(4) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/15، ص/18، بتصرف.
(5) هو حسن أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي ولد 1906 م، نشأ في بيت علم وصلاح، أتم حفظ القرآن وهو ابن أربعة عشر، واغتيل في 12/ 2/1949 م، انظر مقدمة مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا: ص/5 - 7 باختصار.
(6) نظرات في كتاب الله لحسن البنا: ص/ 260، بتصرف
(7) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/ 291 بتصرف.
(8) أبو عمرو أسلم في سنة وفاته - صلى الله عليه وسلم - مات في 51 هـ. انظر تهذيب التهذيب للعسقلاني: ج/1، ص/368.
(9) سنن الترمذي: ك/السير، ب/ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين، ص/ 378، ح/1604. (صحيح)