كما أن نتيجة التناقض العقدي بين منهج الله تعالى ومناهج العبيد كما ذكر سيد قطب (يستوجب عدم الالتقاء على أي شيء منها، وبالتالي لا يمكن التعايش الطويل بينهما) [1] .
سبقت براءة الله؛ براءة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لخطورة موالاة الكافرين، لضرورة التبرؤ منهم، ولِتُظْهِرَ سرعة امتثال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربه، وأنه - صلى الله عليه وسلم - أولى الناس بطاعة الله وأسرعهم استجابة له، وليكون للمسلمين دافع التبرؤ من المشركين أسرع؛ لأن من لم يتبرأ من المشركين يصيبه من الجبن والخور، ما أصاب المتحالفين مع أعداء الله، كما كان واقع الممالك [2] شاهدا آخر على تحالفات أدت إلى سنين من الفرقة والتناحر والذُّلَّ والهوان. كما أن التبرؤ من المشركين (يمحو بقية الشرك من الجزيرة العربية بالقوة، ويجعلها خالصة للمسلمين) [3] .
فالبراءة من المشركين يتطلب صفاء المكان والزمان بصورة تدريجية من كل آثار الشرك، تمهيدا لدخول الناس في دين الله وتحرير الناس من ظلم أنفسهم، وظلم الجبابرة إلى عدل الإسلام، حتى يدرك هؤلاء الناس رحمة الله وحكمته التدريج في التشريع.
الأمان طريق للإيمان: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} (التوبة:6) :
بالرغم من براءة الله ورسوله من المشركين، وبالرغم من القسوة والشدة التي أظهرتها الآيات من أول السورة، فقد توالت غيرها تخفي في ثناياها الكثير من الرحمة والترغيب في التوبة، وتهيئ الأجواء لذلك، وإعطاء المعاهدين وغير المعاهدين والناس الفرصة تلو الأخرى،
لتدنيهم وتقربهم ليغفر الله لهم، فقد شرَّع الله تعالى الاستجارة [4] والأمان للمشركين حتى تقوم الحجة عليهم، يقول د. وهبة الزحيلي [5] : (بالرغم من أن آية السيف شديدة الوطأة على المشركين، إلا أن الإسلام حريص على نشر دعوته بوسائل الإقناع والحجة والبرهان، وليس الهدف من الجهاد سفك الدماء، وإنما الوصول إلى الإيمان وترك الجحود، وقبول الدين والإقرار بالتوحيد) [6] .
لقد الله شرَّع الله استجارة المهزوم وهو تحت السيف، لتظهر حكمة التشريع من سماع القرآن الكريم ومقصده في هداية الناس، قال تعالى: {مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} (النساء:147) ، وكذلك إرشاد الناس إلى معالم الدين، فيتعرفوا عليه، ويتآلفوا
(1) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/،1589 بتصرف.
(2) عندما تهاون الخلفاء في شرع الله وتطبيقه، وبدأ التنازع حول المناصب وبدأت تظهر المطامع في الدولة وعوامل الانفصال من كثير من الولاة، بتحالفات كثيرة مع الفرنجة وأعداء المسلمين، الذين كانوا يتربصون بالدولة الإسلامية الدوائر، ظهرت هذه الممالك المتحالفة مع أعداء المسلمين، (الأندلس - فلسطين - العراق) ، انظر: تاريخ الشعوب الإسلامية لكارل بروكلمان: ص/212 - 213 باختصار وتصرف، دار العلم للملايين، بيروت، ط/13/ 1998.
(3) في ظلال القرآن لسيد قطب: ج/3، ص/ 1589 بتصرف.
(4) أن تعطي الرجل ذمة فيكون بها جارك واستجار طلب أن يجار وأجاره أنقذه وأعاذه، القاموس المحيط للفيروز أبادي: ج/2،ص/49.
(5) وهبة مصطفى الزحيلي رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق. انظر: التفسير الوجيز للمؤلف، دار الفكر دمشق ط/7/ 1427 هـ.
(6) التفسير المستنير د. وهبة الزحيلي: ج/5، ص/112، بتصرف، دار الغد المعاصر/بيروت، ط/1/ 1991 م.