فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 330

هدايته، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف. وما تناكر منها اختلف" [1] . فإذا ما هيأ الله لهم صحبة صالحة تسمعهم كلام الله وآياته، فقد أقام عليهم الحجة، لتظهر أثر الصحبة الصالحة على من يصاحبون، فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يؤكل طعامك إلا تقي" [2] .

إن كلام الله الذي تتصدع لعظمته الجبال، ألا تتصدع له قلوب الحائرين، يقول البقاعي: {ذَلِكَ بِأَنَّهُم} أي الأمر بالإجارة للغرض المذكور بسبب أنهم {قَوْمٌ لا يَعْلَمُون} أي لا علم لهم بنبوة ولا رسالة ولا كتاب، فإذا علموا أوشك أن ينفعهم العلم) [3] ، فإما أن يهتدي، وإلا فأبلغوه مأمنه، والحُجَّةُ قائمة عليه بتمام الدليل والبينات، (فالقرآن، الكتابُ الجاري لمعظم الدلائل) [4] .

بعض الهدايات القرآنية في الآية:

-ذكرت لفظة (أَحَد) بفتح الهمزة وكسرها في القرآن الكريم ستا وثمانين مرة بصيغها المختلفة، المفرد الواحد من الناس ذكر أو أنثى [5] . وتعني كلها الواحد، وأحد هنا: أي أحد من المشركين، سيدا كان أم عبدا، رجلا كان أم امرأة، صغيرًا أم كبيرا، سواء بسواء، ليظهر حرص الإسلام على هداية الناس فردا فردا، دون النظر إلى أعراقهم، أو أجناسهم.

-طلب الاستجارة أمان مؤقت للمستجير، كما أمَّن طريق عودته إلى أهله سالما، فإن سمع كلام الله تعالى وأسلم، فقد أمن نفسه مطلقا، في الدنيا والآخرة.

-أقرَّ الإسلام بعرف الإجارة وهو من أعراف الجاهلية، وأبقاه ساريا ومعترف به.

-أُعطى الله أربعة أشهر من الأمان للمشرك رغم شركه وجهالته، وإذا ما وقع تحت وطأة السيف، أمنه بالاستجارة ليجد الآمان ثانية ليتساءل من أين للمسلم هذا السلوك والخلق الكريم، والصبر الجميل، على كل هذه العدوانية وهذه الخصومة؟

تحديد العلاقة بين المشركين وأهل الكتاب: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا [6] عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (التوبة:7 - 9) :

إن تحديد العلاقة مع المشركين وأهل الكتاب قائم على أمور ثلاثة، لا رابع لها:

(1) صحيح مسلم: ك/ البر والصلة والآداب، ب/الأرواح جنود مجندة، ج/4، ص/2031، ح/2638.

(2) سنن الترمذي: ك/ الزهد عن رسول الله ب/ ما جاء في صحبة المؤمن، ص/540، ح/2395، (حسنه الألباني) .

(3) نظم الدرر للبقاعي: ج/3، ص/ 272.

(4) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ج/14، ص/229.

(5) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبد الباقي: ص/15 - 16.

(6) الظهر خلاف البطن، وظهر الشيء: تبين وظهر على فلان غلبه، انظر: المختار الصحاح للرازي: ص/171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت