فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 235

هذا التوزيع لآيات الخطاب ضمن السورة للأغراض التي ذكرت ولغيرها يصبغ السورة كلها بهذا الأسلوب، الأمر الذي يسلط الضوء على شخصية الرسول الكريم ودورها في الأحداث، فهو الذي يقول، وهو الذي يجيب، وهو الذي يناقش المشكلات المطروحة، وهو الذي يبشر، وهو الذي ينذر، وهو الذي تنزل عليه الآيات، وهو .. وهو.

وهذا الأسلوب الذي ذكرنا عليه الأمثلة من سورة البقرة [1] ، ليس خاصًا بها، بل هو ظاهرة عامة تتكرر في النص القرآني كله باستثناء بعض قصار السور.

ومما لا شك فيه أن هذه الظاهرة تحمل في ثناياها دلالات كثيرة، وحِكمًا عظيمة، ليس هذا مكان سردها أو التعريف بها.

وإنما نقف عند واحدة منها وهي ما سيق الموضوع من أجلها:

بكى أبي بن كعب فرحًا وسعادة عندما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله تعالى أمر رسوله أن يقرأ عليه سورة {لَمْ يَكُنْ} فقال: الله سماني لك؟ فقال: «الله سماك لي» [2] .

وحق لأبي أن يفرح وحق له أن يبكي.

ووجد كثير من علماء هذه الأمة سعادتهم - وكذلك ينبغي لكل مسلم - أن وجدوا لأنفسهم مكانًا في الخطابات الإلهية العامة مثل قوله تعالى: {يَا عِبَادِيَ} وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} .

وإذا كان الأمر كذلك، فأي تكريم وأي شرف هذا الذي كُرِّم به النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الخطابات القرآنية الكريمة، التي تأخذ مكانها في كتاب الله تعالى متلوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

إنه فضل الله تعالى، وتكريم الله تعالى. وهو أمر لا يستطيع الفكر أن يتصور مداه فكيف للقلم أن يعبر عنه.

هذه الخصوصية من التكريم: خاصة بالقرآن الكريم، وخاصة بالرسول الكريم إذْ لا وجود لهذا الأسلوب من الكلام في الكتب المتقدمة، بغض النظر عما أصابها من تحريف [3] .

(1) مما ينبغي الإشارة إليه هنا: أن أسلوب الخطاب، سواء أكان بكاف الخطاب أم بتاء المخاطب، أم بالضمير المستتر المغيَّب في الفعل - اختصارًا للمسافة بين المتكلم والمخاطب - فهو أكثر الأساليب حيوية وحركة، فهو يضعك أمام الحدث في الزمن الحاضر، ولذا فهو متجدد مستمر مع الزمن، لا تستطيع الأيام بمرورها أن تخلفه وراءها، فهي تمضي وتمر، وهو هو الحاضر دائمًا.

وفي المثال إيضاح وبيان:

قال تعالى: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} .

هذه الآيات الكريمة، على الرغم من استعمال الفعلين «ودع، وقلى» بصيغة الماضي، ولكن كاف الخطاب في {وَدَّعَكَ} والتي هي مقدرة في {قَلَى} أي قلاك، تجعل الحديث في الزمن الحاضر. وكأن الخطاب يسمع لأول مرة .. وكذلك في قوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} وكأن الأمر يصدر عند قراءة القارئ.

وهذا من عظمة الأسلوب القرآني وبلاغته، فالقارئ وهو يتلو الآيات يشعر بأن الأحداث تمر أمام ناظريه وليست شيئًا من الماضي.

(2) متفق عليه (خ 4960، م 799 م) .

(3) لم يتحدث كتّاب السيرة - بحسب اطلاعي المتواضع - عن هذه الخصوصية، وإنما توقفوا عند آيات معينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت