فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 235

ثم لماذا تقطع هذه الآية من سياق الآيات لتعطى هذا الحكم الخاص.

فالسورة تبدأ بالشكل الآتي:

{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [1] .

إنها أوامر عطف بعضها على بعض، فلماذا خصت هذه الآية بالخصوصية دون سواها؟.

وما ذهب إليه الزمخشري في قوله الثاني هو الصواب، فالخطاب له صلى الله عليه وسلم وعلى أمته أن تتأسى به. وليست المسألة من الخصائص، والله أعلم.

واستدل لذلك بما رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها: أن ابنة الجون، لما أُدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: «لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك» [2] .

قال ابن الملقن - بعد أن ساق الحديث: وفهم مما ذكرناه أنه حرم عليه نكاح كل امرأة كرهت صحبته، وجدير أن يكون الأمر كذلك لما فيه من الإيذاء، ويشهد لذلك إيجاب التخيير.

ومن أصحابنا - أي الشافعية - من قال: إنما كان يفارقها تكرمًا. وهو غريب كما في الرافعي [3] .

وإذا أمعنا النظر في هذا الحديث والأحاديث الأخرى التي سجلت هذه الواقعة، فلن يكون في الأمر أكثر من تصرف صدر عن من وصفه القرآن بصاحب الخلق العظيم.

فهو صلى الله عليه وسلم بفعله هذا تصرف تصرف الرجل الكريم، وسجل واقعة ليتأسى بها الناس.

فمن أين أتى حكم التحريم، ومن الذي حكم به، والمشرع لم يقل أكثر من: «لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك» ؟.

وما ذهب إليه بعض الشافعية - واستغربه الرافعي - من أنه فارقها تكرمًا هو الصواب، والغريب حقًا هو استغراب الرافعي لذلك.

وخلاصة القول: ليست المسألة من أمر الخصائص في شيء، وإنما هي مسألة تدخل في ميدان السلوك الأخلاقي الكريم، الذي بعث صلى الله عليه وسلم ليكمله، وقد فعل.

قالوا: من خصائصه صلى الله عليه وسلم إباحة دخول مكة بغير إحرام، وفي جوازه لغيره من غير عذر خلاف.

وذكر القضاعي [4] أن ذلك مما خص به دون من قبله من الأنبياء [5] .

(1) سورة المدثر، الآيات (1 - 7) .

(2) أخرجه البخاري برقم (5254) .

(3) بداية السول ص 147.

(4) القضاعي: محمد بن سلامة بن جعفر، أبو عبد الله القضاعي، مؤرخ مفسر من علماء الشافعية، توفي سنة (454) هـ.

(5) مرشد المحتار ص 208.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت