قال تعالى:
{وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} [1] .
وفي زمن محمد صلى الله عليه وسلم كان العرب الذين بعث فيهم على الغاية من البلاغة والفصاحة. فجاء القرآن في بعض ما جاء فيه يتحداهم بما يتقنون من فن الكلمة، فقال تعالى:
{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ} [2] .
وفي قوله تعالى: {وَلَنْ تَفْعَلُوا} تحد ليس وراءه تحد مثله.
على أن تحدي القرآن هذا لم ينقض مع الزمن الذي نزل فيه، بل هو مستمر على مر العصور، وعلى تتابع البلغاء والفصحاء في كل قرن وكل جيل.
وكانت معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حسية مادية تشاهد بالأبصار كالعصا واليد، وإبراء الأكمة والأبرص، وإحياء الموتى، بينما كانت معجزة القرآن محلها العقل وتشاهد بالبصيرة.
ولهذا كانت مستمرة، لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهِده، وما يشاهد بعين العقل يشاهده كل ذي عقل على مر العصور [3] .
هذه الجوانب وغيرها تجعل للقرآن خصوصية فريدة في كل وجه من وجوهها، لا يقاس بها غيرها، ولا يمكن أن يرقى لذلك.
وقد تكلم العلماء في إعجاز القرآن الكريم، وألفت فيه الكتب، فعجزوا عن استيعاب ذلك، وكلما مرَّ الزمن برزت وجوه من الإعجاز لم تكن بادية من قبل.
قال الإمام ابن حجر ناقلًا عن الإمام عياض:
«وقد جمع بعضهم إعجاز القرآن في أربعة أشياء:
أحدها - حسن تأليفه والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة.
ثانيها - صورة سياقه وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظمًا ونثرًا، حتى حارت فيه عقولهم، ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء مثله، مع توفر دواعيهم على تحصيل ذلك، وتقربعه لهم على العجز عنه.
(1) سورة آل عمران، الآية (49) .
(2) سورة البقرة، الآيتان (23 - 24) .
(3) انظر - إن شئت - فتح الباري 9/ 6 - 7.