قال ابن حجر: وفيه فضيلة الفطنة في الأمور، وأنها ترفع منزلة صاحبها، لأن السبب الذي أبداه خزيمة حاصل في نفس الأمر، يعرفه غيره من الصحابة، إنما هو لما اختص بتفطنه لما غفل عنه غيره مع وضوحه، جوزي على ذلك بأن خص بفضيلة من شهد له خزيمة أو عليه فحسبه [1] .
قالوا: ومن خصائصه إباحة عقد النكاح في حالة الإحرام خلافًا للحكم العام الذي ثبت بحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَنْكَح المحرمُ ولا يُنْكَح ولا يَخْطُب» [2] .
واستدلوا لذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم [3] .
وقد اختلف العلماء في التوفيق بين الأمرين علمًا بأن الإمام مسلمًا قد أخرج عن يزيد بن الأصم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس [4] .
وهكذا فحديث ابن عباس معارَض بحديث عثمان وحديث يزيد.
وذهب بعضهم للتخلص من التعارض بادعاء أن حديث ابن عباس من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن ادعاء الخصوصية غير مسلم، فقد قال ابن حجر رحمه الله:
«قال الأثرم: قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأي شيء يدفع حديث ابن عباس - أي مع صحته -؟ قال: فقال: الله المستعان، ابن المسيب يقول: وَهِمَ ابن عباس، وميمونة تقول: تزوجني وهو حلال.
وقال ابن عبد البر: اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية: أنه تزوجها وهو حلال جاءت من طرق شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإسناد، لكن الوهم إلى الواحد أقرب إلى الوهم من الجماعة، فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا، فتطلب الحجة في غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم فهو المعتمد.
وقد أخرج الترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي رافع: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما» [5] .
وقد فسر بعضهم قول ابن عباس: تزوج ميمونة وهو محرم: أي داخل الحرم أو في الشهر الحرام، قال الأعشى:
قتلوا كسرى بليل محرمًا
أي في الشهر الحرام. وقال آخر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا
أي في البلد الحرام. وإلى هذا جنح ابن حبان، فجزم به في صحيحه [6] .
(1) فتح الباري 8/ 519.
(2) أخرجه مسلم برقم (1409) .
(3) متفق عليه (خ 1837، م 1410) .
(4) أخرجه مسلم برقم (1411) .
(5) فتح الباري 9/ 165 - 166.
(6) فتح الباري 9/ 166.