ودليل ذلك ما أخرج مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام [1] .
وليس في هذا الحديث ولا في غيره ما يشعر بالخصوصية، سواء أكان ذلك بالنسبة للناس، أم بالنسبة للأنبياء.
قال سيد سابق في كتابه فقه السنّة:
«يجوز دخول مكة بغير إحرام، لمن لم يُرِدْ حجًا ولا عمرة، سواء أكان دخوله لحاجة تتكرر كالحطاب والحشاش والسَّقاء والصياد وغيرهم، أم لم تتكرر، كالتاجر والزائر وغيرهما، وسواء أكان آمنا أم خائفًا.
وهذا أصح القولين للشافعي، وبه يفتي أصحابه.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه رجع من بعض الطريق فدخل مكة غير محرم.
وعن ابن شهاب قال: لا بأس بدخول مكة بغير إحرام.
وقال ابن حزم: دخول مكة بلا إحرام جائز.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل المواقيت لمن مرَّ بهنَّ، يريد حجًا أو عمرة، ولم يجعلها لمن لم يرد حجًا ولا عمرة.
فلم يأمر الله تعالى قط، ولا رسوله عليه الصلاة والسلام بأن لا يدخل مكة إلا بإحرام.
فهذا إلزام ما لم يأت في الشرع إلزامه» ا هـ [2] .
فأين الخصوصية إذن؟! وما بنى الفقهاء الأحكام في دخول مكة بغير إحرام إلا على الحديث المذكور، إذ فعلُه صلى الله عليه وسلم تشريع للناس.
قال ابن دحية [3] في الخصائص: اختصَّ صلى الله عليه وسلم بإباحة الحكم بغير دعوى ولا بينة، حتى كان له قتل من اتهم بالزنا. ولا يجوز ذلك لغيره [4] .
احتج لذلك بما في صحيح مسلم، عن أنس: أن رجلًا كان يتهم بأم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «اذهب فاضرب عنقه» فأتاه علي فإذا هو في ركي [5] يتبرد فيها، فقال له علي اخرج، فناوله يده فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكفَّ علي عنه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنه مجبوب، ما له ذكر [6] .
(1) أخرجه مسلم برقم (1358) .
(2) فقه السنة: بحث الحج. فقرة: دخول مكة بغير إحرام.
(3) ابن دحية، هو عمر بن الحسن بن علي، أبو الخطاب أبن دحية الكلبي، أديب مؤرخ حافظ للحديث من أهل بلنسية بالأندلس، توفي بالقاهرة سنة (633 هـ) .
(4) مرشد المحتار ص 221.
(5) الركي: البئر.
(6) أخرجه مسلم برقم (2771) .