الفصل الثالث
القرآن الكريم ومعجزات الأنبياء
من حكمة الله تعالى أن أعطى كل نبي من الآيات ما يتناسب مع مجتمعه لتكون الحجة قائمة عليهم، وكانت آية القرآن متناسبة مع مهمة الرسالة الخاتمة، ويحسن بنا أن نبين ذلك من خلال النقاط التالية:
كانت الرسالات السابقة محدودة بالأقوام والأزمان، ولذلك كانت معجزاتهم ملبية لحاجة القوم الذي يعاصر النبي ثم يتناقل الأقوام بعد ذلك هذه المعجزات.
أما الرسالة الخاتمة فكانت مهمتها مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولذلك كان لها سمة الاستمرار والبقاء، فقد تكفل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم.
وبما أن الإسلام ناسخ لجميع الأديان، اقتضت حكمته تعالى أن تكون معجزة هذا الدين مستمرة بهذا الكتاب، لتكون الحجة قائمة على الناس ليهلك من هلك عن بينة ويحيها من حيَّ عن بينة.
لاحظ العلماء عند دراستهم لتاريخ الأنبياء ومعجزاتهم: أن معجزات كل نبي كانت مناسبة لحال قومه، حتى يكون للمعجزة معنى، إذ هي تتحداهم فيما يتقنون.
فقد كان السحر فاشيًا في عهد فرعون، فجاءت معجزة العصا عند موسى عليه السلام على صورة ما يصنع السحرة، ولكنها في حقيقتها أمر من أمر الله تعالى، ولذلك عندما وقعت المعارضة بين موسى وبين السحرة، كان السحرة أول من آمن، لأنهم الخبراء بهذا الفن، فعرفوا من حقيقة العصا ما لم يعرفه بقية الناس وما أحرانا أن نقف أمام القرآن الكريم وهو يصور لنا ذلك المشهد:
قال تعالى:
{فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [1] .
وأما في زمن عيسى عليه السلام فقد كان الأطباء في غاية الظهور، وصنعتهم هي الرائجة، فأتاهم عيسى عليه السلام بجنس عملهم بما لم تصل إليه قدرتهم. جاء بإبراء الأكمة والأبرص، وهي أمراض مستعصية على العلاج. وجاءهم بما لم يخطر بفكرهم ولا فكر الطب مهما تقدم. جاءهم بإحياء الموتى وكل ذلك بإذن الله تعالى.
(1) سورة الشعراء، الآيات (38 - 47) .