الفصل الخامس
التوجيه القرآني
إلى الأدب في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم
رأينا في الفصول السابقة نماذج من الخطاب القرآني الموجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. ورأينا كيف كان في أسلوب هذا الخطاب كل التكريم له، والبيان لرفيع منزلته وعظيم قدره.
ويحسن بنا أن نختم هذه الفصول ببيان الأدب الذي وجه إليه القرآن الكريم في كيفية تعامل المسلمين مع نبيهم صلى الله عليه وسلم في ميدان الأدب الاجتماعي.
وقد ورد ذلك في آيات:
عدم التقدم بين يديه:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [1] .
قال ابن كثير: هذا أدب أدب الله تعالى به عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول صلى الله عليه وسلم من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام. والمعنى: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه: أي قبله، بل كونوا تبعًا له في جميع الأمور.
قال العوفي: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه.
وقال الضحاك: لا تقضوا أمرًا دون الله ورسوله في شرائع دينكم [2] .
«فمن الأدب أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، ولا إذن ولا تصرف، حتى يأمر هو وينهى، ويأذن، كما أمر الله تعالى في هذه الآية.
وهذا باقٍ إلى يوم القيامة لم ينسخ، فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته، كالتقدم بين يديه في حياته، لا فرق بينهما عند كل ذي عقل سليم» [3] .
عدم رفع الصوت عنده:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [4] .
أخرج البخاري في سبب نزول الآية: عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران أن يهلكا، أو بكر وعمر رضي الله عنهما، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب من بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن
(1) سورة الحجرات، الآية (1) .
(2) تفسير ابن كثير عند الآية الكريمة.
(3) المواهب اللدنية للقسطلاني 3/ 230.
(4) سورة الحجرات، الآيتان (2، 3) .