دليل قوي بيد الجمهور.
ولكن إذا نظرنا إلى الملابسات التي تحيط به، من مجيء الملك بصورتها، ومن اللعب التي حملت معها، وبقيت في بيتها إلى مدة غير قصيرة، ومن تسريب النبي صلى الله عليه وسلم لصديقاتها البنات يلعبن معها .. كل هذه الملابسات عندما يجمع بعضها إلى بعض، تجعل لاجتهاد ابن شبرمة قوة لا تقل عن قوة الجمهور فيما ذهب إليه.
أما ما جاء في الآية الكريمة من قوله تعالى: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} فهي وإن فسرت بالصغيرات، فهناك احتمال آخر قائم في تفسيرها:
ألا وهو أن كثيرًا من الفقهاء ذكروا في أبواب الحيض من كتبهم: أنه وجد من النساء من لا تحيض أصلًا.
وعليه فلم يعد تفسير الآيات قاصرًا على الصغيرات، بل لا بد وأن يشمل الكبيرات اللواتي لم يأتهن الحيض [1] .
نختم هذا الفصل بذكر بعض الخصائص في الأحكام مما لم أذكره، مما لا دليل عليه، أو قام الدليل ضده، دون أن أقف عند مناقشتها، ذلك أنها من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى مناقشة ...
وأحب أن أذكر ببعض الملاحظات قبل بدء تعداد ما ظنوه خصائص:
1 -إن بعض الأحاديث جاءت مرغبة ببعض الأعمال - وحاثَّةً على عملها - بذكر فضل تلك الأعمال، وبعض هذه الأحاديث في الصحيح، وأكثرها في الضعيف مما عني به أصحاب كتب الترغيب والترهيب ومن كان على طريقتهم. وجاء المهتمون بجمع الغرائب فعدوا كل ذلك من الخصائص.
والفضيلة شيء والخصيصة شيء آخر، ولا شك بأن هناك خصائص في الفضائل، ولكنها أمور قام الدليل على خصوصيتها.
2 -إن بعض العلماء أطلقوا لأفكارهم العنان في تخيل الفضائل والخصائص، دون أي دليل يستندون إليه. وهذا كثير.
3 -وجاء السيوطي رحمه الله لينقل كل شيء حتى ولو كان باطلًا معارضًا للصحيح وهو يصرح بذلك. قال:
«واعلم أني أذكر كل ما قال فيه عالم إنه من خصائصه.
سواء كان عليه أصحابنا - الشافعية - أم لا.
مصححًا أم لا؟؟!.
فإن ذلك دأب المتتبعين المستوعبين، وإن كان الجهلة القاصرون إذا رأوا مثل ذلك بادروا إلى الإنكار على مورده!!» [2] .
(1) لقد تأكدت من قول الفقهاء بنفسي فقد سألت عددًا كبيرًا من الأطباء عن هذا الأمر - وهو وجود من لا تحيض - وقد أخبرني أحدهم وهو ممن أثق به: أنه = يعرف عن طريق زوجته وجود فتاتين لم يحضن، بلغت إحداهن الخامسة والعشرين، والثانية بلغت الخامسة والثلاثين، وأن أخلًا لإحداهن تزوج ولم ينجب، وأنهما لم تتزوجا لسبب واحد، هو أن الأهل كان يبينون هذا الأمر للخاطب عندما يحضر، فيرغب عن الزواج خوفًا من عدم الإنجاب. وقد قال لي هذا الطبيب: إنه على استعداد للذهاب معي إلى أهل الفتاتين، لأكون على يقين من الأمر.
(2) الخصائص الكبرى 2/ 396.