قال ابن الملقن:
«جعل ابن سبع من خصائصه: أنه كان نورًا، وكان إذا مشى في الشمس أو القمر لا يظهر له ظل.
ويشهد له أنه عليه الصلاة والسلام سأل الله أن يجعل في جميع أعقابه نورًا، وختم ذلك بقوله: «واجعلني نورًا» [1] .
أقول:
أما مسألة كونه صلى الله عليه وسلم لا يظهر له ظل، فقد ذكرتها كتب الخصائص، ولم تذكر دليلًا عليها.
وهو ادعاء باطل. إذ لو كان الأمر كذلك لنقله لنا الصحابة رضي الله عنهم، فقد نقلوا لنا كل صغير وكبير يتعلق بحياته صلى الله عليه وسلم، فكيف أغفلوا ذكر وصف دائم يظهر كل يوم وكل ساعة، وغفلوا جميعًا عن ذلك.
والذي يبدو أن هذه المسألة، إنما هي نتيجة للقول بأنه صلى الله عليه وسلم نور، والنور لا ظل له.
وأما مسألة كونه صلى الله عليه وسلم نورًا، والاستدلال له بالحديث، فهو فهم في غاية الغرابة لم يقل به أحد.
أما الحديث المستَدَل به فقد أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس قال: وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: «اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، واجعل لي نورًا» وفي رواية لمسلم: «أو قال: واجعلني نورًا» [2] .
قال ابن حجر: قال القرطبي: هذه الأنوار التي دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن حملها على ظاهرها، فيكون سأل الله تعالى أن يجعل له في كل عضو من أعضائه نورًا يستضيء به يوم القيامة في تلك الظلم، هو ومن تبعه أو من شاء الله منهم. قال: والأولى أن يقال هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال تعالى: {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [3] وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [4] ثم قال: والتحقيق في معناه: أن النور مظهر ما نسب إليه، وهو يختلف بحسبه: فنور السمع مظهر المسموعات، ونور البصر كاشف للمبصرات، ونور القلب كشاف عن المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات.
وقال الطيبي: معنى طلب النور للأعضاء عضوًا عضوًا، أن يتجلى بأنوار المعرفة والطاعات ويتعرى عما عداهما، فإن الشياطين تحيط بالجهات الست بالوساوس، فكان التخلص منها بالأنوار السادة لتلك الجهات. قال: وكل هذه الأمور راجعة إلى الهداية والبيان وضياء الحق [5] .
وهكذا لم يفهم هؤلاء العلماء - ومنهم ابن حجر - أن المقصود بالحديث أن يتحول الجسم أو الأعضاء إلى نور، بحيث يفقد الجسم مادته التي هي اللحم والعظم.
وهم متفقون على أن المقصود بالنور هو العلم والهداية إلى الحق.
(1) غاية السول ص 297، واللفظ المكرم 2/ 235.
(2) متفق عليه (خ 6316، م 763) .
(3) سورة الزمر، الآية (22) .
(4) سورة الأنعام، الآية (122) .
(5) فتح الباري 11/ 148.