فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 235

ونتساءل أين حلم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي وسع كفار أهل مكة يوم أخرجوه إلى الطائف، ولاقى في سفره ذلك ما لاقى، ثم جاء ملك الجبال ليقول له: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا» [1] .

وأين حلمه صلى الله عليه وسلم الذي وسع أهل مكة، أي من بقي منهم على الكفر حتى يوم الفتح، عندما قال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» .

هذا الحلم العظيم الذي وسع القتلة والمجرمين الذين وقفوا في وجه الدعوة بسيوفهم وألسنتهم وشعرائهم .. عجز عن أن يسع امرأة أخطأت حتى دعى عليها صلى الله عليه وسلم فماتت؟؟.

وإذا كانت الأمور تعالج بهذا الأسلوب الذي اخترعه واضع الحديث أما كان الأحق بهذه الدعوة أمثال أبي جهل وأبي لهب ومن كان على شاكلتهم، يوم كان صلى الله عليه وسلم في أشد حالات الضيق؟!.

إن واضع الحديث أراد أن يقول: إن من معجزاته صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى استجاب دعاءه في هذه المرأة فماتت.

وكأنه ما درى أن هناك عشرات الأحاديث الصحيحة بهذا الشأن فما فائدة أن نضيف لها ما لا أصل له. مع ما في ذلك من تعارض مع الخط العام الذي ينتظم أخلاقه صلى الله عليه وسلم، كما رأينا.

وفي كل مرة يتأكد أن أي إضافة يضعها العقل عن مقام النبوة، فإنها تفسد أكثر مما تصلح، لأنها جسم غريب، يرفضه البنيان الصحيح، القائم على قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [2] .

ولقد كان للقصاص دور كبير في الوضع، لأنهم يجدون في الخبر الغريب ما يشد انتباه الناس، ويجذبهم إلى السمع، والمعجزات أكبر مظلة يستظلون بها، فليس هناك ما يستغرب مع قدرة الله سبحانه وتعالى، ولذلك يتقبل الناس ذلك ببساطة بعيدًا عن ميدان المحاكمة العقلية، والأمثلة على هذا كثيرة.

وتحت عامل التضخيم للكتب، ونقل كل ما يصل إلى المؤلف، تساهل بعضهم بذكر ما يعلم بطلانه.

ومن أمثلة ذلك ما ذكره صاحب المواهب قال:

وما رواه الطبري في الرياض النضرة، وعزاه للإمام أحمد في المناقب، عن محدوج بن زيد الهذلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: أما علمت يا علي أنه أول من يدعى به يوم القيامة بي، فأقوم عن يمين العرش في ظله،

(1) متفق عليه (خ 3231، م 1795) .

(2) سورة النساء، الآية (82) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت