قالوا: اختص رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم الأكل متكئًا، وجزم بذلك أبو العباس بن القاص، صاحب التلخيص. ونقله عنه البيهقي في الشعب [1] .
واستدل عليه، بما أخرجه البخاري عن أبي جحيفة قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده: «لا آكل وأنا متكئ» [2] .
والجمهور على كراهة ذلك لما ثبت من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم.
وإنما قالوا بالكراهة لعدم ما يثبت التحريم، فالحكم التأسي به صلى الله عليه وسلم، وأن يحرص المسلم أن لا يأكل متكئًا.
أما القول بالتحريم فقول غريب إذ التحريم لا يكون إلا بنص.
وأما القول بالخصوص فهو في الغرابة أكثر من القول بالتحريم، لأنه لو ثبت التحريم بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم لكان حرامًا في حق أمته. ما لم يثبت نص بالخصوصية.
قالوا: كان يحرم عليه صلى الله عليه وسلم أن يمنّ ليستكثر، ومعناه أن يعطي شيئًا ليأخذ أكثر منه، قال تعالى: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [3] .
قال المفسرون: ذلك خاص به عليه الصلاة والسلام كما نقله الرافعي [4] .
والحقيقة: أن المفسرين لم يتفقوا على ذلك.
قال الزمخشري في الكشاف - كما نقله ابن طولون: في النهي في قوله تعالى: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} وجهان: أحدهما: أن يكون نهيًا خاصًا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيحرم عليه المنّ، والثاني: أن يكون نهي تنزيه لا تحريم، له ولأمته.
وقال ابن كثير في تفسيره عند الآية الكريمة:
قال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره، وكذا قال الربيع بن أنس واختاره ابن جرير.
وقال مجاهد: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: تمنن في كلام العرب: تضعف.
وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس تستكثرهم بها تأخذ عليه عوضًا من الدنيا.
وقال ابن عباس: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها. ورجح ابن كثير هذا القول.
هذا ما ذكره ابن كثير.
وإذن فالمفسرون ليسوا على اتفاق على ما ذهب إليه الرافعي فأين الخصوصية إذن.
(1) انظر مرشد المحتار ص 145.
(2) أخرجه البخاري، برقم (5399) .
(3) سورة المدثر، الآية (6) .
(4) بداية السول ص 145.