هذه هي الصورة المنقولة لنا في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف أمكن جعل اللعن ولغير سبب من خصوصياته؟.
إنه الأمر العجيب. ولذا استبعده العلماء.
ونعود لنفتش عن الدليل والتعليل لهذا القول، فلا نجد إلا استدلالًا واحدًا قال: لأن لعنته رحمة.
ونحن بحاجة في هذه المسألة إلى إيضاح أمرين:
الأمر الأول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر يغضب ويرضى وقد يصدر السب والشتم منه في حالة الغضب، كما يحدث لكل الناس.
وقد جاء ذلك صريحًا عنه صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«اللهم! إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيته أو سببته، أو جلدته، فاجعلها له كفارة، وقربة، تقربه بها إليك يوم القيامة» [1] .
فالحديث الشريف يبين بصراحة ووضوح أن السب يمكن أن يحدث، ولكن ذلك إنما يكون في حالة الغضب. والغضب انفعال نفسي لا يحدث بغير سبب. وإنما يكون بعد أسباب تستدعي وجوده.
ولكن المسألة هنا تجعل اللعن مباحًا له لمن شاء ومن غير سبب يقتضيه!!.
الفارق الكبير كبير بين الصورة التي جاءت بها المسألة، وبين الصورة المعروضة في الحديث.
ولذا لا يمكن أن يكون ما جاء في الحديث دليلًا لما جاء في المسألة.
الأمر الثاني: أن الحديث السابق يحدد أن سبه يكون رحمة للمؤمنين، وإلا فإنه صلى الله عليه وسلم دعا على الكفار والمنافقين، ولم يكن دعاؤه رحمة لهم.
فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه كان يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار [2] .
بهذا يتضح الأمر، بأن المسألة محل البحث لا صلة لها برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها تشويه لأخلاقه الكريمة، بل إنها غير مقبولة لأي إنسان، لأنها تصوير لإنسان غير سوي في فطرته منحرف في سلوكه وأخلاقه.
وأخيرًا: فأين دليل الخصوصية لهذه المسألة؟!.
قال ابن القاص في التلخيص: واختص صلى الله عليه وسلم بإباحة القتل له بعد الأمان [3] .
وقد خطأه العلماء في ذلك.
(1) أخرجه مسلم برقم (2601) .
(2) متفق عليه (خ 797، م 676) .
(3) غاية السول ص 187، ومرشد المحتار ص 248، والمواهب اللدنية 2/ 625.