قالوا: واختص صلى الله عليه وسلم بإباحة عتقه للأمة وتزوجها وجعل عتقها صداقها.
واستدلوا: بما أخرجه الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه قال: أعتق النبي صلى الله عليه وسلم صفية وتزوجها وجعل عتقها صداقها [1] .
وقالوا: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو مما خصه الله به في النكاح دون الأمة. وهذا قول الأئمة الثلاثة ومن وافقهم [2] .
وذهب ابن حزم إلى عدم الاختصاص به صلى الله عليه وسلم، بل ما وقع في الحديث سنة صحيحة لكل من أراد أن يفعل ذلك إلى يوم القيامة [3] .
وأيد ابن القيم قول ابن حزم وقال: لأن الأصل عدم الاختصاص حتى يقوم عليه دليل. وهذا القول هو ظاهر مذهب أحمد وكثير من أهل الحديث [4] .
وما ذهب إليه ابن القيم وابن حزم - والذي هو ظاهر مذهب أحمد - وهو الصواب لعدم وجود دليل على التخصيص، والأصل أن تتأسى الأمة به صلى الله عليه وسلم.
ودليل من قال بالخصوصية القياس، والقياس ليس دليلًا في أمر التخصيص [5] .
نقل السيوطي وصاحب المواهب عن ابن سبع: أن من خصائصه تحريم الإغارة إذا سمع التكبير [6] .
قال السيوطي: واستدل له بما أخرجه الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بنا قومًا، لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم [7] .
والواقع أنه لا يدرى هل كان السيوطي رحمه الله يستدل بالحديث للحكم، أم للخصوصية؟.
فإن كان يستدل للخصوصية - وهو ما يقتضيه سياق كلامه - فلا دليل فيه. وأنى يكون الدليل؟ وإنما الحديث نقل لسلوك الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله في واقعة معينة، ينبغي على المسلمين اتباعه فيها والتأسي به في فعل مثل ما يفعل.
ولهذا فقد نص الفقهاء على هذا الحكم في كتبهم، وعدَّوا التقيد والالتزام به واجبًا من واجبات المجاهدين.
وقد بوب البخاري رحمه الله لهذا الحديث بقوله: «باب ما يحقن بالأذان من الدماء» [8] .
(1) متفق عليه (خ 5086، 5168، م 1365 م) .
(2) زاد المعاد لابن القيم 1/ 112.
(3) مرشد المحتار ص 316.
(4) زاد المعاد 1/ 112.
(5) انظر في تفصيل ذلك مرشد المحتار ص 316.
(6) الخصائص الكبرى 2/ 415، والمواهب اللدنية 2/ 612.
(7) متفق عليه (خ 610، م 382) .
(8) فتح الباري 2/ 19.