الفصل الثاني
معجزته صلى الله عليه وسلم القران
أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» [1] .
يقرر هذا الحديث الشريف عددًا من الحقائق منها:
1 -أن كل نبي لا بد له من معجزة أو أكثر، تدعو من شاهدها إلى الإيمان بصدقه.
2 -وأن كل نبي يعطى من المعجزات ما يعد كافيًا لحصول القناعة لدى قومه بدعواه، وأن الذي لا يؤمنون، لا يرجع سبب ذلك إلى عدم قناعتهم وإنما إلى معاندتهم واستكبارهم.
وهذا واضح في قوله صلى الله عليه وسلم: «ما مثله آمن عليه البشر» .
«والمثل يطلق ويراد به عين الشيء، وما يساويه. والمعنى: أن كل نبي أعطي آية أو أكثر من شأن من يشاهدها من البشر أن يؤمن به لأجلها. أي يؤمن بذلك مغلوبًا عليه، بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه» [2] .
وقد أوضحت الصورة الدقيقة التي رسمها القرآن الكريم شأن الجاحدين والمعاندين، وكشفت عما تكن صدورهم ببيان لا يكون مثله إلا من عند الله تعالى، إذ هو العالم بالأسرار وما تكنه النفوس.
قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [3] .
3 -يثبت الحديث أن ما أعطيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم برهانًا ودليلًا وآية على رسالته يختلف من حيث الجنس والنوع عما أعطيه الأنبياء السابقون عليهم الصلاة والسلام.
وذلك واضح في قوله صلى الله عليه وسلم مسبوقًا بأداة الحصر: «وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ» .
أي: إن معجزتي التي أتحدى بها، هي الوحي الذي أنزل عليّ، وهو القرآن لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح.
وليس معنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن له من المعجزات غير القرآن، بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره من الأنبياء.
وأن الدلالة على صدقهم تلك الآيات التي أعطاهم الله إياها.
وأن الدلالة على صدقه صلى الله عليه وسلم هو هذا القرآن العظيم، أما بقية المعجزات فهي روافد ولها مهمات أخرى تؤديها في بناء الدعوة سيأتي الحديث عنها إن شاء الله.
وخلاصة ما أقصد إليه في هذا الفصل:
(1) متفق عليه (خ 4981، م 152) .
(2) فتح الباري 9/ 6.
(3) سورة النمل، الآية (14) .