الفصل الخامس
خصائص هذا الدين
يحسن بنا أن نختم حديثنا عن الخصائص بذكر ما يمتلك هذا الدين من خصائص على سبيل الاختصار.
قال الله تعالى:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [1] .
إنه من تمام نعمة الله على هذه الأمة، أن أكمل لها هذا الدين، ورضيه لها.
وقد عرف بعض أهل الكتاب مكانة هذه الخاصية، ورأوا أن يوم نزولها ينبغي أن يكون عيدًا.
أخرج الشيخان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلة لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا.
قال: أي آية؟.
قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} .
قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بعرفة، يوم جمعة [2] .
وهذا أيضًا من تمام نعمة الله تعالى، أن جعل نزولها في يوم اجتمع فيه عيدان للمسلمين، فيوم عرفة يوم الحج الأكبر، ويوم الجمعة، يوم عيد المسلمين .. فضائل اجتمع بعضها إلى بعض، فإذا نحن أمام نعم الله، وأمام رضاه. وهي غاية ما يطلبه العباد.
كان نزول هذه الآية الكريمة إعلانًا «لإكمال العقيدة، وإكمال الشريعة معًا، فهذا هو الدين، ولم يعد للمؤمن أن يتصور أن بهذا الدين - بمعناه هذا - نقصًا يستدعي الإكمال، ولا قصورًا يستدعي الإضافة، ولا محلية أو زمانية تستدعي التطوير أو التحوير، وإلا فما هو بمؤمن، وما هو بمقر بصدق الله، وما هو بمرتض ما ارتضاه الله للمؤمنين» [3] .
إن الآية الكريمة «تتضمن توحيد المصدر الذي تتلقى منه هذه الأمة منهج حياتها، ونظام مجتمعها، وشرائع ارتباطاتها ومصالحها إلى يوم القيامة، كما تتضمن استقرار هذا الدين بكل جزئياته الاعتقادية والتعبدية والتشريعية، فلا تعديل فيها ولا تغيير، فقد اكتمل هذا الدين وتم وانتهى أمره، وتعديل شيء فيه كإنكاره كله، لأنه إنكار لما قرره الله من تمامه وكماله. وهذا الإنكار هو الكفر الذي لا جدال فيه» [4] وذلك قوله تعالى:
(1) سورة المائدة، الآية (3) .
(2) متفق عليه (خ 45، م 3071) .
(3) في ظلال القرآن 2/ 843.
(4) في ظلال القرآن 2/ 833.