وأمر آخر يرجح جانب المحرمية وينفي الخصوصية، وهو: أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، فيدخل على أحد النساء غير هاتين الأختين فلو كان الأمر خصوصية له، لدخل كثيرًا من بيوت أصحابه، ولكان الأمر مباحًا له يدخل على أي امرأة من نساء الصحابة، ولكن هذا لم يحدث فكيف تكون خصوصية.
وتظل المسألة من المسائل المختلف فيها، وهي مسألة نظرية بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ولا يترتب عليها حكم شرعي، سواء أقلنا بالخصوصية أم قلنا بالمحرمية.
قال ابن الملقن: صح أنه صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله عنها لست سنين أو سبع فذهب ابن شُبْرَمَة [1] - فيما حكاه ابن حزم - إلى أن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يجوز للأب إنكاح ابنته حتى تبلغ.
قال: وقد خالف الجمهور، فإنهم قالوا: إن ذلك يجوز لكل واحد، وإنه ليس من الخصائص، بل نقل ابن المنذر الإجماع عليه [2] .
وقال الإمام ابن حجر: أجمعوا أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر، ولو كانت لا يوطأ مثلها، إلا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ. وحكى ابن حزم عن ابن شبرمة مطلقًا: أن الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة، حتى تبلغ وتأذن، وزعم أن تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة، وهي بنت ست سنين كان من خصائصه [3] .
ويتبين من النصين أن ابن شبرمة يرى عدم صحة عقد النكاح إذا كان سن المعقود عليها أقل من سن البلوغ. وذلك لأن غاية عقد النكاح إقامة الحياة الزوجية بين الزوجين، وهذا الأمر لا يمكن تحقيقه بالنسبة للصغيرة، ولذلك رأى عدم صحة العقد، لعدم تحقق ثمرته.
وبناءً على ذلك عدَّ زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله عنها من الخصوصيات التي اختص بها.
ولعل الذي ساعده على هذا الرأي، ما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيتك في المنام، يجيء بك الملك في سَرَقَةٍ من حرير، فقال لي: هذه امرأتك، فكشفت عن وجهك الثوب فإذا هي أنت، فقلت: إن يك هذا من عند الله يمضه» .
وفي رواية للبخاري: «أريتك في المنام مرتين» .
وفي رواية لمسلم: «رأيتك في المنام ثلاث ليال .. » [4] .
(1) ابن شبرمة: عبد الله بن شبرمةالضبي القاضي، روى عن أنس والتابعين. قال أحمد العجلي: كان عفيفًا صارمًا عاقلًا يشبه النساك، شاعرًا جوادًا. وهو فقيه الكوفة، توفي سنة أربع وأربعين ومائة للهجرة (شذرات الذهب) .
(2) غاية السول ص 222.
(3) فتح الباري 9/ 190.
(4) متفق عليه (خ 3895، 5125، م 2438) .