فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 235

والحقيقة: أن هذا الحديث ليس دليلًا على الحكم بغير دعوى ولا بينة، وبالتالي ليس من الخصوصيات في شيء.

فالحديث يدل على أن عليًا رضي الله عنه كان عالمًا بسبب الأمر بالقتل، مما يدل على أن الشائعة قد انتشرت بين الناس، فلم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين لعلي سبب الأمر بالقتل. فلما ذهب علي ورآه مجبوبًا امتنع عن قتله.

ثم إن عقوبة الزنا ليست القتل بالسيف.

ثم كان ينبغي أن يأمر برجم أم الولد.

كل هذه الأمور تبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يقضي على الشائعة المنتشرة ببيان علنيّ واضح، فعلم وجود الرجل يتبرد في البئر، فعندها أمر عليًا بقتله .. فلما ذهب واستخرجه منها وجده مجبوبًا وهكذا قضي على الفرية التي روَّج لها المنافقون، كما فعلوا في حادثة الإفك.

وبهذا تبين حكمته صلى الله عليه وسلم في معالجة الأمور.

قال الإمام ابن حزم في كتابه الانتصار، كما نقله عنه ابن طولون:

«من ظن أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتله حقيقة بغير إقرار ولا بينة فقد جهل، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنه يرى ما نسب إليه ورمي به، وإن الذي نسب إليه كذب، فأراد صلى الله عليه وسلم إظهار الناس على براءته، وأن يوقفهم على ذلك مشاهدة، فبعث عليًا هو ومن معه فشاهدوه مجبوبًا» [1] .

قال القضاعي: اختص صلى الله عليه وسلم بأنه لا يشهد على جور بخلاف غيره [2] .

واستدل لذلك بما في الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا، قال: «ألك ولد سواه؟» قال: نعم قال: فأراه قال: «لا تشهدني على جور» وفي رواية للبخاري: «لا أشهد على جور» [3] .

وفي رواية لمسلم: «فأشهد على هذا غيري» [4] فقال بعضهم: هذا دليل على أنه ليس بحرام على غيره أن يشهد؟.

ومن الغريب أن يجعل هذا الأمر من خصوصياته صلى الله عليه وسلم وإنما بعث فيما بعث لإقامة العدل وإحقاق الحق بين الناس، فكيف يقوم هذا الحق إذا كان لغيره أن يساهم بشهادته على إقامة الجور؟.

إن الجمع بين روايات الحديث المتعددة تبين أن ما ذهب إليه القضاعي أمر يجانب الصواب.

ففي رواية للحديث: «أكلَّ ولدك نحلت مثله؟» قال: لا، قال: «فأرجعه» [5] .

(1) مرشد المحتار ص 223.

(2) المرجع قبله صى 228، واللفظ المكرم 1/ 245.

(3) متفق عليه (خ 2650، م 1623) .

(4) أخرجه مسلم برقم (1623) .

(5) متفق عليه (خ 2586، م 1623) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت