فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 235

ومهما يكن من أمر، فإن معنى الآية من الاحترام والتبجيل والتقدير للنبي صلى الله عليه وسلم قائم مستمر لم ينسخ وإنما الذي نسخ هو تقديم الصدقة وحده، تخفيفًا عن المسلمين [1] .

الفصل السادس

أدب السلف في تعظيم السنة

رأينا في الفصل السابق كيف ربى القرآن الكريم المسلمين على الأدب الرفيع في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك من جاء بعدهم من سلف هذه الأمة، أن هذا الأدب ينجر إلى التعامل مع حديثه صلى الله عليه وسلم.

فعندما ينهى القرآن الكريم عن التقدم بين يديه صلى الله عليه وسلم برأي أو غيره، فهذا يعني أنه لا ينبغي - أيضًا - التقدم بين يدي حديثه برأي أو قول لغيره. فلا يُعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم بقول بشر كائنًا من كان.

وقد اشتد إنكارهم على من فعل ذلك.

ويحسن بنا أن نذكر بعض الأمثلة التي توضح هذا الجانب المهم، الذي ربما غاب عن أذهان كثير من المسلمين.

1 -أخرج مسلم من حديث سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تمنعوا نساءَكم المساجدَ إذا استأذنَّكم إليها» فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهنَّ. قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبًّا ما سمعته سبَّه مثله قط، وقال:

أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: والله لنمنعهنَّ؟!!.

وفي رواية:

قال: فضرب في صدره وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: لا؟!! [2] .

2 -وأخرج الشيخان من حديث عبد الله بن مغفَّل: أنه رأى رجلًا يخذف [3] فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف أو كان يكره الخذف.

ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الخذف أو كره الخذف، وأنت تخذف!! لا أكلمك كذا وكذا [4] .

(1) الذي نسخ هو وجوب الصدقة، وهذا لا يمنع من استمرار الأمر على طريق الندب، ومن العلماء من رأى الأمر على عمومه فالمراد بالمناجاة في نظره الخطاب فلما أراد أن يدخل المسجد النبوي الشريف للصلاة فيه والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم - وكنت معه - أخرج شيئًا من المال فتصدق به وتلا الآية الكريم ثم دخل.

وهو فهم يلتقي مع فهم الإمام مالك وفهم سيدنا عمر رضي الله عنه الذي سبقت الإشارة إليها في رفع الصوت في المسجد النبوي.

(2) أخرجه مسلم برقم (442) .

(3) يخذف: هو الرمي بحصاة أو نواة ونحوها.

(4) أخرجه البخاري برقم (5479) ، ومسلم (1954) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت