فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 235

قالوا: اختص صلى الله عليه وسلم بإباحة الشهادة لنفسه ولولده، ويقبل شهادة من شهد له، وإذا جاز ذلك جاز أن يحكم لولده، وولد ولده. وقد ذكر البيهقي ذلك في سننه [1] .

واستدل بحديث عمارة بن خزيمة: أن عمه حدثه، وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس وإلا بعته، فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الأعرابي فقال: «أو ليس قد ابتعتُه منك!» فقال الأعرابي: لا، والله ما بعتكه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بلى قد ابتعتُه منك» فطفق الأعرابي يقول: هلمَّ شهيدًا. فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال: «بمَ تشهد؟» فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين [2] .

ويؤكد صحة حديث أبي داود ما جاء في البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: نسخت الصحف في المصاحف، ففقدت آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فلم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين. وهو قوله: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [3] [4] .

وأقول: أين موضوع شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه وولده، وأين الحكم لنفسه وولده، والحديث لم يبين ماذا حدث بعد شهادة خزيمة، هل أمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع، أم تركه؟.

وكل ما في الواقعة هو إثبات هذه المزية لخزيمة، كما ثبتت صفة «أمين الأمة» لأبي عبيدة، وهذه المزية ليست قاصرة على شهادته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هي في حقه وحق غيره، ولهذا قبل زيد بن ثابت آية الأحزاب التي معه لهذا المعنى، واعتبر شهادته بشهادة رجلين، وكان زيد لا يقبل الآية إلا بعد شهادة رجلين، وقبل هذه الآية بشهادة خزيمة وحده.

وإذن، فليس في هذه المسألة خصوصية. ويؤكد هذا أن أبا داود عنْوَنَ لهذا الحديث بقوله: «باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به» مما يدل على أنه لم ينظر لها على أنها خصوصية.

وخزيمة رضي الله عنه لم يشهد هنا على الواقعة، وإنما شهد على أصل عام وهو صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لا يقول إلا حقًا. فشهادته تدخل ضمن هذا الأصل العام.

(1) مرشد المحتار ص 224، واللفظ المكرم 1/ 340.

(2) أخرجه أبو داود برقم (3607) .

(3) سورة الأحزاب، الآية (23) .

(4) أخرجه البخاري برقم (2807) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت