وقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} [1] حصرنا، وإن نظرنا إلى خصوص السبب: وهو قصد المضارة فلا حصر لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مبرؤون من قصد المضارة [2] .
تلك هي القضية: وهي إنما حصر الطلاق بالثلاث حتى لا يكون حيف على المرأة، وبما أن الحيف لا يقع من الرسول صلى الله عليه وسلم فلا حاجة لحصر الطلاق بالثلاث.
وإذا علمنا أن هذا الطلاق لم يقع من الرسول صلى الله عليه وسلم أصلًا، تبين أنه لا حاجة للتفتيش عن الدليل، إذ لا دليل على الخصوص، والأصل أن الرسول صلى الله عليه وسلم محكوم بالأحكام العامة مثله في ذلك مثل بقية المسلمين، ما لم يوجد دليل التخصيص.
ومعظم الفقهاء لم يقولوا بالخصوصية في هذه المسألة.
وبناءً على ذلك قال الماوردي [3] : وإذا قلنا ينحصر طلاقه، فلو طلق طلقة واحدة ثلاثًا، هل تحل له من غير أن تنكح غيره؟ فيه وجهان: أحدهما نعم، لما خص به من تحريم نسائه على غيره، والثاني لا تحل له أبدًا لما فيه من التغليظ في أسباب التحريم [4] .
فانظر إلى هذا التفريع على مسألة أصلها غير موجود.
ألا يعدّ ذلك من عبث القول وضياع الوقت في بحث مسائل يستحيل وقوعها؟ بلى.
والحقيقة أن النصوص العامة في الشريعة يدخل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو القدوة والأسوة للمسلمين، وهو أول من يطبق أحكام الله تعالى.
ذكرت كتب الخصائص هاتين المسألتين بهذا الأسلوب في العنوان.
وهذه المسائل ليست محل خلاف عند الجمهور، في أنه لا مجال للخصوصية فيها.
ولكن قال بالمسألة الأولى ابن القطان: بناءً على أن المخاطِب هل يدخل في الخطاب؟ لأنه قال صلى الله عليه وسلم: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» [5] .
وقال بالمسألة الثانية: الحناطي [6] .
(1) سورة البقرة، الآية (230) .
(2) مرشد المحتار ص 277 - 278.
(3) هو علي بن محمد، أبو الحسن الماوردي، أقضى قضاة عصره، له تصانيف نافعة، توفي ببغداد سنة (450 هـ) .
(4) مرشد المحتار ص 278.
(5) جاء في هذا المعنى عدة أحاديث عند البخاري منها: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها» رقم (5108) ، و (لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها) رقم (5109) .
(6) انظر في المسألتين غاية السول ص 214 - 215، واللفظ المكرم 1/ 515 - 516.