قال: فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب فوقف عليهما، فذكرا له ذلك فقال علي: لا تفعلا، فو الله ما هو بفاعل، فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: والله، ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا، فو الله لقد نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما نفسناه عليك، قال علي: أرسلوهما.
فانطلقا واضطجع علي، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا، ثم قال: «أخرجا ما تصرِّرَان» ثم دخل ودخلنا عليه، وهو يومئذٍ عند زينب بنت جحش.
قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله، أنت أبرُّ الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح، فجئنا لتؤمِّرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك كما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون.
قال: فسكت طويلًا حتى أردنا أن نكلمه .. ثم قال: «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» [1] .
وعن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا، حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله، وانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: «إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم» [2] .
وقد قال العلماء في تعليل هذا الحكم:
إن الصدقة أوساخ الناس - كما في الحديث السابق - ومنصبه صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك.
وقالوا: جاء في الحديث: «اليد العليا خير من اليد السفلى» [3] ، ويد الرسول صلى الله عليه وسلم هي العليا في كل كمال.
وقالوا: إن الصدقة تنشأ عن رحمة الدافع لمن يتصدق عليه، فلم يرد الله أن يكون نبيه صلى الله عليه وسلم مرحوم غيره.
تنبيه أول: اختلف علماء السلف: هل شاركه في ذلك الأنبياء، أم اختص به دونهم؟ فقال بالأول: الحسن البصري، وبالثاني: سفيان بن عيينة [4] .
تنبيه ثان: هل يحرم عليهم الاستفادة من الصدقات العامة، كالمساجد، ومياه الآبار؟.
والحقيقة أن مثل ذلك لا يدخل تحت عنوان الصدقة، ذلك بأنه بمجرد التبرع به أصبح ملكًا عامًا للمسلمين. وقد أكل الرسول صلى الله عليه وسلم من لحم تُصدِّق به على بريرة وقال: «هو لها صدقة، وهو لنا هدية» [5] .
(1) أخرج مسلم برقم (1072) .
(2) أخرجه أحمد 6/ 8 وأبو داود (1650) والترمذي (581) والنسائي (2611) .
(3) متفق عليه (خ 1429، م 1033) .
(4) غاية السول، لابن الملقن ص 126.
(5) متفق عليه (خ 1495، م 1074) .