فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 235

وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يقطع من شجرتين من كل منهما غصنًا، ثم يضعه حيث أمره صلى الله عليه وسلم، ثم قال: قد فعلت، يا رسول الله، فَعَمَّ ذاك؟ قال: «إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين» [1] .

وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة: أنه صلى الله عليه وسلم مر بقبر فوقف عليه فقال، «ائتوني بجريدتين، فجعل أحدهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه» [2] .

وأخرج أحمد والطبراني بإسناد صحيح عن أبي بكرة أنه صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرين .. الحديث، وكذلك أخرجا عن يعلى بن شبابه أنه صلى الله عليه وسلم مر على قبر .. الحديث قال ابن حجر: ورواته موثقون [3] .

هذه النصوص وغيرها، تثبت أنه صلى الله عليه وسلم وضع جريدة أو عودًا رطبًا على قبر.

وقد اختلف العلماء: هل هي حادثة واحدة، أم تكررت القصة، ويبدو أن سياق الأحاديث، يؤيد تكرر القصة.

كما اختلف العلماء: هل كان فعله صلى الله عليه وسلم ذاك مما يتأسى به فيه. أم هو خصوصية من خصوصياته؟!.

وممن قال بالخصوصية الإمام الخطابي ومن تبعه، وقد استنكر وضع الناس الجريد ونحوه في القبر عملًا بهذه الأحاديث.

قال الطرطوشي: لأن ذلك خاص ببركة يده صلى الله عليه وسلم.

وقال القاضي عياض: لأنه علل غرزهما على القبر بأمر مغيب، وهو قوله: «ليعذبان» .

قال ابن حجر رحمه الله في مناقشة هذه الأقوال:

قلت: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا، أن لا نتسبب له في أمر يخفف عنه العذاب أن لو عذب.

كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحمَ أم لا، أن لا ندعو له بالرحمة.

وليس في السياق ما يقطع على أنه صلى الله عليه وسلم باشر الوضع بيده الكريمة. بل يحتمل أن يكون أمر به [4] .

وقد تأسى بريدة بن الحصيب الصحابي بذلك، فأوصى أن يوضع على قبره جريدتان. وهو أولى أن يتبع من غيره [5] .

وقد أيد القائلون بالخصوصية قولهم بأن صاحبي القبرين كانا كافرين.

فرد على ذلك ابن العطار، وجزم في شرح العمدة بأنهما كانا مسلمين، وقال: لا يجوز أن يقال إنهما كانا كافرين لأنهما لو كانا كافرين، لم يدعُ لهما بتخفيف العذاب، ولا ترجَّاه لهما. ولو كان ذلك من خصائصه لبينه [6] .

هذه خلاصة لأقوال كثيرة وردت في هذا الموضوع.

(1) أخرجه مسلم برقم (3012) .

(2) فتح الباري 1/ 319.

(3) فتح الباري 10/ 470 - 471.

(4) أقول وهذا ما صرح به حديث جابر عند مسلم.

(5) فتح الباري 1/ 320.

(6) فتح الباري 1/ 321.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت