وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْمُفْتِي الْمُنْتَسِبِ إِلَى مَذْهَبِ [إِمَامِهِ] [1] مَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ إِمَامَهُ فِيهِ.
-وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ انْتَسَبَ إِلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ؛ انْبَنَى عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، يَأْخُذُ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ؟
وَفِيهِ مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، كَمَا لَمْ يَلْزَمْ فِي عَصْرِ أَوَائِلِ الْأُمَّةِ أَنْ يَخُصَّ الْعَامِّيُّ عَالِمًا مُعَيَّنًا بِتَقْلِيدٍ [2] لَا سِيَّمَا إِنْ قُلْنَا:"كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ".
فَعَلَى هَذَا: هَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ عَلَى أَيِّ مَذْهَبٍ شَاءَ، أَوْ يَلْزَمَهُ أَنْ يَبْحَثَ حَتَّى يَعْلَمَ عِلْمَ مِثْلِهِ أَسَدَّ الْمَذَاهِبِ وَأَصَحَّهَا أَصْلًا، فَيَسْتَفْتِيَ أَهْلَهُ [3] ؟
فِيهِ مَذْهَبَانِ؛ كَالْمَذْهَبَيْنِ اللَّذَيْنِ [4] سَبَقَا فِي إِلْزَامِهِ بِالْبَحْثِ عَنِ الأْعْلَمِ وَالأْفْقَهِ مِنَ الْمُفْتِينَ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَهُوَ جَارٍ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يبْلُغْ رُتْبَةَ [5] الاجْتِهَادِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَأَرْبَابِ سَائِرِ الْعُلُومِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ اتِّبَاعُ أَيِّ مَذْهَبٍ شَاءَ لَأَفْضَى إِلَى أَنْ يَلْتَقِطَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ مُتَّبِعًا هَوَاهُ، [وَمُتَخَيِّرًا] [6] بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّجْوِيزِ، وَفِيهِ انْحِلالٌ
(1) من (ب) .
(2) في (ب) و (ص) : يقلده، وفي (د) : بتقليده.
(3) من (أ) و (د) ، وفي (ب) : أهلها.
(4) في (ب) : الذي.
(5) من (ب) و (د) ، وفي (أ) و (ص) : درجة.
(6) من (أ) ، وفي (ب) : متخيرًا.