فهرس الكتاب
الاحتمال الثاني الذي يحتمله هذا السؤال: أن يكون الغرض منه التشكيك في المصاحف الموجودة بين أيدينا اليوم: وهذا ما نستبعده عن السائل لظهور خطئه ؛ فإن تواتر نقل القرآن الكريم عبر مئات الآلاف من الأسانيد المتصلة والكتب والمصاحف والمخطوطات أمر مشهور معروف ، ولو أنشئت المؤسسات العلمية الكبيرة لحصر هذه الأسانيد والمصاحف والكتب وجمع أدلة تواتر القرآن الكريم لما أمكنها ذلك ، تماما كما لو أنشأنا مؤسسة بحثية لإثبات تواتر خبر وجود دولة كالصين مثلا في عالم الناس اليوم ، فهل يطلب عاقل القيام بذلك ، وهل بالإمكان حصر جميع الأخبار ، والآثار ، والمشاهدات ، التي وقعت لكل إنسان رأى الصين ، أو جاءه شيء منها ، أو اتصل به خبرها بوجه ما ؟!!
ثم مع ذلك كله ، بل فوق ذلك كله: حفظ القرآن في الصدور ، ونقله شفاها ، شخصا عن شخص ، وجيلا عن جيل ، وقرنا عن قرن ، من أول نزول الوحي على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، إلى يوم الناس هذا ، لا يختلفون ولا يمترون فيه .
والمصاحف العثمانية إنما أخذت عن تواتر القرآن الكريم في عهد الصحابة رضوان الله عليهم وليست هي المصدر الأول لرواية القرآن ، فكيف نقلب المنهج اليوم وننفي تواتر القرآن بعدم وقوفنا على المصاحف العثمانية .
يقول العلامة الزرقاني رحمه الله:
"ثم إن عدم بقاء المصاحف العثمانية قاطبة لا يضرنا شيئا ، ما دام المعول عليه هو النقل والتلقي ثقة عن ثقة ، وإماما عن إمام ، إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك متواتر مستفيض على أكمل وجه في القرآن حتى الآن ."
على أن المصاحف العثمانية نسخت على غرارها الآلاف المؤلفة في كل عصر ومصر ، مع المحافظة على الرسم العثماني"انتهى."
"مناهل العرفان" (1/405)
فقل لسائلك ، بدلا من أن تتحير:
أين عشر معشار ذلك كله ، وأدنى منه بكثير ، لشيء من كتبكم ، ودينكم ؟!
لقد ذكرنا سؤال هذا النصراني بقول الشاعر حافظ إبراهيم رحمه الله: