فهرس الكتاب
نحن بحاجة إلى التأمل في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لفهم حقيقة التوحيد التي جاء الإسلام بها ، ولا تختلط علينا خرافات الكذابين والدجالين الذين يغوون الناس ببعض الحيل أو بادعاء الكرامات وهم أبعد الناس عن طريق الاستقامة ، فالكرامة إنما هي من فعل الله ورزقه ، يحصل له ببركة متابعته للنبي ، والله تعالى يجريه على يديه لحاجة له إليه ، أو حجة في دينه على من يخالفه ؛ ثم الأصل في شأنها الإسرار والكتمان بين العبد التقي الولي وبين ربه سبحانه ، ولو كان طريق الاستقامة طريقهم لما تبجحوا بها ، وراؤوا بها الناس ، وأكلوا بها أموالهم ، واستخدموهم بها في أغراضهم ؛ بل هذه شأن الدجالين والأكالين للسحت ؛ كما يقول السبكي رحمه الله:"المعجزة مقرونة بدعوى النبوة ، ولا كذلك الكرامة ... وأيضا فالمعجزة يجب على صاحبها الإشهار ، بخلاف الكرامة ، فإن مبناها على الإخفاء ، ولا تظهر إلا على الندرة والخصوص ، لا على الكثرة والعموم ، وأيضا فالمعجزة تجوز أن تقع بجميع خوارق العادات ، والكرامات تختص ببعضها ، كما بيناه من كلام القشيرى ، وهو الصحيح". انتهى من"طبقات الشافعية الكبرى" (2/317) .
ولتعلم يا عبد الله أن من رحمة الله تعالى بعباده ، وحكمته في خلقه وأمره ونهيه: أن جعل مع الرسل والأنبياء ما يدل أقوامهم على تصديقهم والإيمان بهم ، لأنه تعالى يحب العذر من خلقه ، ويحب لهم الهداية والرشاد ؛ فمن اتخذ ذلك ذريعة للتعلق بالأنبياء تعلق المربوب بربه ، والعبد بخالقه سبحانه ، وسؤالهم حاجاتهم التي لا يقدر عليها إلا الله: فقد أتي من نفسه ، ولا يلومن أحدا سوى نفسه الأمارة بالسوء ، التي هي مأوى كل ظلم وجهل ؛ وليعلم أنه في واد ، ودعوة الأنبياء في واد آخر ، تلك الدعوة التي تختصرها الآية الكريمة في سورة الفاتحة: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) الفاتحة/ 5.