فهرس الكتاب

الصفحة 791 من 1343

والمقصود: أن هذا القول قد دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم ، ولم يأت بعده إجماع يبطله ، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق ، وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة ؛ فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم ؛ ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة ، بانت منه المرأة ، وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره ، نكاح رغبة يراد للدوام ، لا نكاح تحليل ، فإنه كان من أشد الناس فيه ، فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق المحرم ، فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه .

ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد الصديق وصدرا من خلافته كان الأليق بهم ؛ لأنهم لم يتتابعوا فيه ، وكانوا يتقون الله في الطلاق ، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجا ، فلما تركوا تقوى الله ، وتلاعبوا بكتاب الله ، وطلقوا على غير ما شرعه الله ، ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم .

فإن الله تعالى إنما شرع الطلاق مرة بعد مرة ، ولم يشرعه كله مرة واحدة ، فمن جمع الثلاث في مرة واحدة ، فقد تعدى حدود الله ، وظلم نفسه ، ولعب بكتاب الله ، فهو حقيق أن يعاقب ، ويلزم بما التزمه ، ولا يقر على رخصة الله وسعته ، وقد صعبها على نفسه ، ولم يتق الله ولم يطلق كما أمره الله وشرعه له ، بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه ، رحمة منه وإحسانا ، ولبس على نفسه ، واختار الأغلظ والأشد .

فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان ، وعلم الصحابة رضي الله عنهم حسن سياسة عمر ، وتأديبه لرعيته في ذلك ، فوافقوه على ما ألزم به ، وصرحوا لمن استفتاهم بذلك ؛ فقال عبد الله بن مسعود: من أتى الأمر على وجهه فقد بُيِّن له ، ومن لبس على نفسه ، جعلنا عليه لبسه ، والله لا تلبسون على أنفسكم ، ونتحمله عنكم ، هو كما تقولون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت