وليس الأمر كذلك فيما يتعلق بوقعة"الجمل"حيث كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مشاركة بالفعل ، وكانت متأولة في خروجها للبصرة ، حيث ظنت أن القضاء على قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه هناك كفيل في الإصلاح بين معاوية ومن معه في الشام ، وبين علي ومن معه في المدينة ، ثم لما وقعت الحرب بين جيش معاوية وجيش علي رضي الله عنهما لم تشارك فيها رضي الله عنها ، بل جاءت على جملها وسط المعركة ظانَّة أنهم سيوقفون الحرب ، لكنَّ الخوارج وأهل الفتنة أبوا ذلك واستمروا بالقتال ، بل قد نالت سهامهم جملَها حتى سقط في أرض المعركة .
قال الطبري - رحمه الله -:
وأقبل"كعب بن سور"حتى أتى عائشة رضي الله عنها فقال:"أدركي فقد أبى القوم إلا القتال لعل الله يصلح بكِ"، فركبت ، وألبسوا هودجها الأدراع ، ثم بعثوا جملَها وكان جملها يدعى"عسكرًا"حملها عليه"يعلى بن أمية"، اشتراه بمائتي دينار .
"تاريخ الطبري" ( 3 / 40 ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:
فإنَّ عائشة لم تقاتِل ، ولم تخرج لقتال ، وإنما خرجتْ لقصد الإصلاح بين المسلمين ، وظنَّتْ أنَّ في خروجها مصلحةً للمسلمين ، ثم تبيَّن لها فيما بعد أنَّ ترك الخروج كان أولى ، فكانتْ إذا ذكرتْ خروجَها تبكي حتى تبل خمارها ، وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال ، فندم طلحة ، والزبير ، وعلي ، رضي الله عنهم أجمعين ، ولم يكن"يوم الجمل"لهؤلاء قصد في الاقتتال ، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم .
"منهاج السنة" ( 4 / 316 ) .
فكما ترى فإن عائشة رضي الله عنها قد صدر منها مخالفة في خروجها للبصرة ، وليست هي بمعصومة حتى لا يقع منها مثل هذا الخطأ بذلك التأويل .