أما العُقود الخاصة التي تُعقد بين شركات التأمين وبين المستأمِنين، وما تتضمَّنه من شروط، فإنها تخضع للمقاييس الشرعية في صحة الشروط التعاقدية وبطلانها بحسب كونها تَتَنافى مع النظام العام الإسلامي في التعاقد أو لا تنافيه، وذلك نظير البيع مثلًا في نظام المعاوضة، فقد نص القرآن الكريم على حِلِّ البيع كنظام تبادل عقْدي؛ أما عقود المبايعات الخاصة التي تجري بين طرفين وما يشترطان فيها من شروط، فإنها ـ رغم حِل البيع في ذاته ـ قد يكون بعضها باطلًا وبعضها صحيحًا بحسب مضمونه والشروط التي شرطها فيه عاقداه، وكون بعض عقود البيع يقع باطلًا لتضمنه ما لا يسوَّغ شرعًا، لا يستلزم أن نقول بحرمة عقد البيع في ذاته بوجه عام كطريق لتبادل الأموال.
وبعد أن نشرت رسالتي المذكورة عن عقد التأمين وموقف الشريعة منه سنة 1961 (وهي أول بحث شرعي كامل في التأمين) كثُر الكاتبون في هذا الموضوع من مؤيدين ومعارضين، ولكني لم أجد أحدًا أتى بجديد لم تتضمنه رسالتي المذكورة، فأهل الرأي الإيجابي في الجواز لم يأت أحد منهم بدليل شرعي جيد للجواز لم أوردْه في رسالتي، وأهل الرأي السلبي في المنع لم يأتِ أحد منهم بشبهة جديدة لم أوردها أنا، وأُجِبْ عنها.
ولذا أجد في رسالتي المذكورة عن التأمين كفاية وافية، إلى جانب مناقشتي المسجلة في ندوة التشريع الإسلامي في مدينة البيضاء، وردودي على من رأوا المنع. وإني مرسِل إليكم مع هذه المذكرة نسخة منها مكتفيًا بها وبمناقشاتي وردودي المسجلة في الندوة السابقة.