من أين يُحْرِم القادم بطريق الجوِّ لحجٍّ أو لعمرة بالطائرة؛ التي أصبحت اليوم في عصر السرعة هي الوسيلةَ الأساسية للحج والعمرة ولمختلف الأسفار؟
منذ أكثر من أربعين عامًا، والناس تتساءل، وتسأل أهل العلم من فقهاء الشريعة عن مكان الإحرام، الذي لا يجوز لقاصد البيت العتيق أن يتجاوزه إلا مُحْرِمًا ملبيًا، هاجرًا ملذَّاته ورفاهيته التي كان يعيشها، ومُتَجَرِدًا من ملابسه المَخيطة، ومُكتفيًا من متعة هذه الحياة الدنيا وزينتها بالإزار والرداء، ذلك الرمز العظيم الذي يذكره بصورة فعلية (لا قوليّةٍ فقط) بذلك اليوم الرّهيب الذي سيُقبل فيه على ربه بعد أن ينتزعه الموت المحتَّم من قلب كل مُتعة أو زينة، أو لذة، أو نعمة، أو سلطة، أو وَجاهة، أو أموال كان يتمتّع، وينعَم بها في دنياه.
هذا الإحرام الجليل المعنى الذي أوجبَه الإسلام على قاصد الحجِّ أو العمرة، أي مكان هو ميقاته لمن يأتي جوًّا بالطائرة؟ تلك الوسيلة الحديثة التي لم تكن معروفة، ولا تخطُر في البال حين حدَّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ حدود المواقيتِ المكانيّة للقادمين إلى الحج أو العُمرة من مختلف البِقاع والجهات الأرضيّة، فلا يجوز لأحد أن يتجاوزَها إلا مُحرِمًا؛ تعظيمًا لشأن البيتِ العَتيق قبل الوصول إليه.
فأقول مستعينًا بالله، راجيًا أن يهديَني إلى الصواب الحقِّ من أقرب مَحَجَّة، وأوضح حُجَّة،
إنه هو ولي التوفيق.
ممّا لا خِلاف فيه بين أئمة السلف من مُحدِّثين وفقهاء: أن المواقيت المكانيّة للإحرام قد حدَّدها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للقادمين من جهاتٍ أربع كما يلي:
1 -ذو الحليفة لأهل المدينةِ، من أراد منهم الحج أو العمرة. وهذه أبعد المواقيت مَسافة عن مكّة، وتسمَّى اليوم (آبار علي) .
2 -الجُحْفة لأهل الشام.
3 -قرن المنازل لأهل نجد القادمين من الشرق.