والخبائث في هذا المقام يُراد بها ما فيه فساد لحياة الإنسان في صحته أو في ماله أو في أخلاقه، فكل ما تكون مَغََّبته وعواقبه وَخِيمة من أحد النواحي الهامة في حياة الإنسان، دَخل في عموم الخبائث.
وقد أَثْبَتَت الاكتشافات الطبيَّة في هذا العصر الحديث الذي اكْتُشِفتْ فيه عوامل الأمراض وخفايا الجراثيم الضارة أن الخنزير يَتَوَلَّد من لحمه في جسم الإنسان الذي يَأكله دودة خطرة، تُوجد بذرتها في لحم الخنزير، وتَنشُب لا في أمعاء الإنسان بصورة قابلة للطرح بالعلاجات الطاردة لديدان الأمعاء، بل تنشب تلك الدودة الخِنزيريَّة ضمن عضلات الإنسان بصورة عَجَز الطب إلى اليوم عن تخليص الإنسان منها بعد إصابته، وهي خطرة على حياته، وتسمى"تريشين" (trichine) ، ومن هنا ظهرت حكمة تحريم لحم الخنزير في الإسلام.
وقد جاء في موسوعة لاروس الفرنسية: إن هذه الدودة الخبيثة (التريشين) تَنتقل إلى الإنسان، وتَتجه إلى القلب، ثم تتَوضَّع في العضلات، وخاصة في الصدر والجنب والحنجرة والعين، والحجاب الحاجز، وتَبقَى أَجنَّتها محتفظة بحيويتها في الجسم سنين عديدة.
ولا يُمكِن الوقوف عند هذا الاكتشاف في التعليل، بل يُمكِن للعلم الذي اكْتَشف في الخنزير هذه الآفة أن يَكتشِف فيه في المستقبل آفات أخرى، لم تُعرف بعد.
ومن ثَمَّ لا يُقبَل في نظر الإسلام من يَزعُم أن تربية الخنزير الأهلية في العصر الحاضر بالطرق الفنية المراقبة في مرعاه، وفي مبيته، ومأواه، كفيلة بالقضاء على جُرثومة هذه الآفة فيه، لما بيَّنّا أن نصَّ الشريعة في التحريم مُطلقَ وغير مُعَلَّل، ومن الممكن أن تكون هناك مضارُّ أخرى للحم الخنزير لم تُعرف بعد، كما كانت آفة التريشين نفسها مجهولة قبل اكتشافها في العصر الحديث.